الرئيسية / بوك ريفيو / «قرايات مستر إكس»..«خرائط يونس» رواية محمود حسني

«قرايات مستر إكس»..«خرائط يونس» رواية محمود حسني

(قرايات مستر إكس)

خرائط يونس

رواية: محمود حسني

x

أصبحنا مستعدّين – من التجارب السابقة ويا ما دقت على الراس طبول – إننا نكون متسامحين شوية مع الرواية الأولى لكاتبها، ورغم كده في روايات أولى بتخلف الظن ده، وروايات تانية بتأكّده، وروايات تالتة بقا بتقف بين البينين، ويبقى القارئ المسكين اللي زي حالاتي مش عارف يعدّي ويتسامح ولَّا يحاسب ويعاتب ويقول لأ، معلش، فيه حاجة مش مظبوطة.

من النوع التالت ده رواية محمود حُسني، الصحفي والمترجم المصري الشاب، اللي صدرت حديثًا عن دار الساقي، بعنوان خرائط يونس، في سياق نشر الروايات اللي نتجت عن ورشة كتابة أو برنامج (آفاق) لكتابة الرواية، وهو منحة وورشة في نفس الوقت، أظن أشرف عليها الروائي اللبناني الكبير جبّور الدويهي.

يعني اللي يغيظ بجد إن الرواية دي قبل ما توصل للحالة اللي اتنشرت بيها دي خضعت لنقاش عبر مراحل مختلفة، في إطار ورشة وشد وجذب واقتراحات وتغيير مسار وتمتين وحذف وإضافة، وكل الحاجات اللي ممكن الواحد يتخيّلها في تجارب من النوع ده، واللي يغيظ أكتر إن الكاتب عامل شكر وتنويه (لا مفر منه) لبعض الأسماء المصرية والعربية من الشباب وغير الشباب اللي ساعدوه في تطوير الرواية أثناء مراحل العمل بفضل قراءاتهم وتعليقاتهم، وأظن إنه كان قاصد يبلّغ عنهم، أو يقول زي الأشرار في الأفلام العربي: أنا لو وقعت مش هأقع لوحدي – أنا هآخد ناس كتير قوي معايا.

والحقيقة إنه ده اللي حصل فعلًا، وقع وخد الناس الطيبة دي كلها معاه. طبعًا مبدئيًا كده مافيش حكاية واضحة ممكن نحكيها هنا، وأساسًا مش مهم الحكاية، وسيبك من الكام سطر اللي الناشر كاتبهم ع الغلاف الخلفي . إحنا قدّام جو كابوسي، غير محدد الزمان والمكان، إلَّا بإشارات عامة ممكن تصلح على مكان برزخي فيه ملامح حديثة كتير زي بعض المنتجات الثقافية والحضارية، لكنه يبقى مكان مُحتمل أو طيفي. وللأسف ده ينطبق كمان على كل عناصر العمل تقريبًا، كل شيء شبحي ومش ملموس ومش واضح، وبالأخص الشخصيات الرئيسية: يونس وصديقته عُلا.

اللي هيحاول يدوّر على علاقة واضحة ما بين حكاية يونان/يونس زي ما وردتْ في الكتب المقدّسة وبين حكاية يونس مع الحوت اللي يبنجرف ويحتضر طول العمل هنا مش هيقدر يوصل لحاجة، وأظن إن الكاتب ممكن ينزل ملحق شارح صغير يوضح فيه رموز الرواية واحدة واحدة كده علشان الغلابة اللي زي مستر إكس.

الحقيقة واضح إنه كان فيه طموح كبير وراء الرواية، لكنه للأسف كان أكبر من قدرات وإمكانيات الكاتب نفسه. فلا هو قدر يكون ساراماجو في العَمَى مثلا ولا هو قدر حتى يبقى شبه محمد ربيع في عُطارد، ولا طبعًا قدر يكون نفسه ببساطة لإن تأثيرات عوالَم وكتّاب كتير بتتنازع صفحات العمل بالتساوي. وهو مش بيبخل على القارئ بإشارات واضحة وصريحة للتأثيرات دي، من قبيل ساراماجو وسليم بركات اللي أخد منه مقتطفات بالهبل من غير أي داعي في الحقيقة.

محاولة التعاظل والتحدّث بكلام غامض وغريب وتركيبات معقدة ومتعنتة أفسدت أسلوب الرواية للأسف، وخلت الكاتب يوصل لأنه يقول جمل مالهاش معنى تقريبًا، في سبيل جمال متخيل مش موجود غير في خياله، من قبيل: “لكنّ هذه الخيوط الألقة، الخيوط ابنة الميل الجسدي المولع بروح تتنفس في هذا الجسد”، أو: “..، والقلم الحبر، والورق الأصفر، المحال من أثر الوقت والغبار إلى ما هو عليه من حال” أو: “شيطانك يحتمي بتنويعات ما تخلقه أصابعك”.

المفارقة إنه جنب جمل من النوع ده، وفقرات تانية كتير بتوصف حالة الجو وشكل السما بأسلوب متشعرن بالعافية، هنلاقي فقرات تانية بتكشف جانب تاني خالص في أسلوب الكاتب، وهي فقرات تتبع ارتباك السُلطة والقيادات حيال الكوارث اللي حطت على الجزيرة والمدينة، وهي مكتوبة بأسلوب ممكن بسهولة يفكرنا بألغاز الجيب بتاعت نبيل فاروق ورجل المستحيل والحاجات دي: “في مبنى الاستخبارات الصغير، كان أكبر مسؤولي المكان يجلس في مكتبه بخوفٍ وقلق لم يختبرهما من قبل. كان يحاول الاتصال بأي من المسؤولين في الجزيرة لكن دون جدوى….” أو بعد صفحة واحدة: “هزّ مسؤول الاستخبارات رأسه مترددًا، ثم وجّه حديثه إلى أحد القادة المتوسطي الرتبة في الجيش: “أنت أعلى رتبة نستطيع أن نتواصل معها الآن. كم من الوقت لتجهيز القوة الخاصة من أجل دخول الجزيرة؟”

طبعًا، في كل عمل طويل، من الوارد إنه يكون فيه مستويات متباينة من لغة السرد، لكن الفجوات بينها في خرائط يونس كانت أكبر من الخيال، وكأن اللي كاتب العمل اتنين مش نفس الشخص، وده تفسيره الوحيد إنه في شيء مفتعل في التجربة كلها، مش طالعة بصدق وببساطة من جوّه الكاتب، وإنّ إلهامه الأساسي مش حياته ولا أفكاره بقدر ما هي الأعمال الفنية العظيمة اللي اتمنى إنه يعمل حاجة شبهها لكنه عمل الخريطة بس وفاته إنه ينزل على الأرض نفسها.

الجرأة حلوة مافيش كلام، وكون رواية أولى تملك طموح كبير زي ده  – من ناحية الموضوع وطريقة التعبير عنه – حاجة تحسب لكاتبها، لكن من حق القارئ – وخصوصًا لو كان مستر إكس – إنه يقول طب وأنا ذنبي إيه؟

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

بقلم: محسن البلاسي الظل المحمول حياة فاترةٌ في عين الشائخين مؤلمةٌ في عين الموتى ومحتلـّو …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend