الرئيسية / بوك ريفيو / مروة سمير تكتب: شآبيب.. وتيه العرب

مروة سمير تكتب: شآبيب.. وتيه العرب

شآبيب.. وتيه العرب
بقلم: مروة سمير

“الحقيقة أن الحياة تغدو أصعب وأصعب يوما بعد يوم بالنسبة للعرب. لا شك أن لحظة الانفجار قادمة لا محالة. هذه أمواج من الغليان ثم يأتي الفوران النهائي خارج حدود الإناء”.

في رواية «شآبيب» لـ د. أحمد خالد توفيق الصادرة عن دار «الشروق»، نجدنا أمام طرح مختلف وفكرة تناولها د. أحمد من قبل في أحد أعداد سلسلة فانتازيا تحت اسم “وعد جوناثان”، لكن تم فرد مساحة أكبر لها هذه المرة.
البداية كانت مع مكرم أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفاد بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي يحلم بدولة تجمع العرب المشتتين في كل بلد بعيدا عن قهر وفقر بلادهم، بلد جديد يجتمع فيه العرب من كل الحضارات فتمتزج خبراتهم ويصنعوا حضارة جديدة قوية دون اضطهاد أو ظلم.
فأحداث الرواية في المستقبل القريب، التي لا تختلف كثيرًا عن وضعنا الحالي، من اضطهاد للأقليات العربية في دول الغرب، وانتشار الأرابو فوبيا، وتكرار حوادث القتل والعنصرية تجاه العرب، حتى باتوا مضطهدين كاليهود قديما، لكن اليهود لم ترض بذلك فلمَ نرض نحن؟

“لم يعد هناك أفق سياسي في هذا البلد.. لا أحد يأمل سوى في الوجبة التالية. لقد نجحت الحكومة في أن تستخرج الصرصور الكامن في نفس كل مواطن، وهو الصرصور الذي يهلل فرحا لأن هناك الكثير من الطعام في صفيحة القمامة.”

يستعين مكرم بصديقه جوناثان نائب الرئيس الأمريكي الذي يكره العنف ويتعاطف مع المظلومين في أي مكان، ليمنحه الشرعية لبناء تاريخ مزيف حول أرض معاد جديدة للعرب، اخفى آثارها الأعداء لكن في باطنها تاريخ وحضارة عربية قديمة، واطلق عليها اسم شآبيب.
والتجانس بين شآبيب وتل أبيب، يحمل دلالة واضحة، ومع ذلك أوضح د. أحمد في مقدمة الرواية معنى اللغوي للكلمة، فهي ليست مجرد كلمة مختلقة، شآبيب جمع شؤبوب.. وتعني شدة أو الاندفاع، شآبيب المطر: القطرات الأولى من المطر.
وبجانب مكرم نتعرف على أبطال العمل في أجزاء مقسمة لكل منهم، كلهم مهاجرون من دول مختلفة، أمينة من أوسلو، سليم من مونروفيا، ومحمد من مصر.
تعاني أمينة مدرسة التاريخ التونسية الأصل من اضطهاد واضح بسبب حجابها وعروبيتها، تعيش في رعب دائم في الحي العربي بالنرويج الذي يتعرض لهجمات عدائية متكررة، حتى إذا ما سمعت عن شآبيب والأرض الجديدة تقرر السفر إليها فورا رغم رفض زوجها.
أما سليم الليبي الأصل الذي يعيش في ولاية أمريكية بأفريقيا، فيتعرض لحادث عنصري مأساوي يفقد فيه زوجته وطفليه فيتحول للغضب والعنف أمام كل ما هو غربي ويتحمس بشدة للذهاب للأرض الجديدة.
محمد من مصر، الذي يتنقل من سجن لأخر، سجن الكون سجن الذات وسجن المنصورة، حتى بعدما يخرج ويتزوج ويبني حياة يهزمه قهر الوطن ويفقده رجولته، فيقرر الهجرة لاستراليا، ومن ثم إلى شآبيب.

“الصدق كئيب مخيب للآمال كنهار خريف، بينما الأكاذيب تحلق بك في سماء ربيعية زاهية الألوان ثم تهبط بك فوق وسائد المجد المتخيل.”

في الثلث الأخير من العمل تتجمع الخيوط والشخصيات على أرض شآبيب وحول مكرم، بعد أن ينجح في غرس البذرة الأولى لحلمه ويتجمع أكثر من نصف مليون مهاجر في الوطن الجديد، لكن الأمور لا تبدو سهلة فالمنطقة فوق بركان خامد منذ قرون، بدائية جدًا، بلا مرافق أو خدمات أو أي مظهر من مظاهر التقدم والتنكواوجيا.
تبدأ الصراعات بالتدريج، اضطهاد العرب للسكان الأصليين، واضطهاد العرب لبعضهم البعض، شبح الدولة الدينية التي تحمس لها البعض، تحول مكرم لديكتاتور لا يريد أن يعوقه أحد في طريق حلمه فهو القائد ويرى ما لا يراه الآخرون.
يتولى سليم القيادة بعد مكرم، ويبدو دوره مهمًا وقياديًا في شآبيب رغم أن قصته وبناء شخصيته في نصف الرواية الأول لم يمهدا لذلك.
على عكس محمد الذي كان بناء شخصيته وخلفيته الدرامية من أفضل شخصيات العمل، وتم تهميش دوره تمامًا في الأرض الجديدة.
أما أمينة فكان تقديم شخصيتها الأكثر توازنًا بين الثلاث.
وبالرغم أن جميع الشخصيات تتحدث وتفكر بنفس الطريقة، وهي طريقة د. أحمد المميزة في الكتابة، إلا أن فلسفة العمل جذابة، والسرد سلس يقودك بسهولة لمتابعة الأحدث، التي ربما كانت لتبدو أكثر كمالا لو جاءت النهاية نتيجة لتصاعد الصراعات الداخلية المعتادة في كل مجتمع عربي وتعوق تقدمه، وليس بسبب عامل خارجي في الطبيعة.
تُنهي العمل وتغرق في بحر من الأفكار والشجون حول منطقتنا العربية، وحال المواطن العربي داخل الوطن وخارجه، حول فكرة المنقذ التي تتشبث بها المجتمعات العربية، عقيدة الأب الإله الذي يعرف كل شيء، والصراعات الداخلية التي لا تنتهي، فهل هناك أمل؟
ربما إذا ما تعلمنا التعايش سويًا، وأدركنا أن سبيل تقدمنا الوحيد هو التوقف عن الانقسام لفرق داخل الوطن الواحد يبغي كل منها القضاء على الآخر، إذا تعلمنا ثقافة تقبل الآخر.. يبقى الأمل.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend