الرئيسية / كُتاب / أدهم العبودي يكتب: محمّد توفيق الذي يغرّد منفردًا

أدهم العبودي يكتب: محمّد توفيق الذي يغرّد منفردًا

بقلم: أدهم العبودي

adham

ظللت متململاً أغالب النّوم، كانت ليلة مطيرة من ليالي القاهرة، نقضي النّهار بطوله في معرض الكتاب، ثمّ –ورغم الجَهد- نغالب النّوم. قلّبت في قنوات التليفزيون، لا شيء، الملل يضرب في رأسي، تذكّرت أنّ “يوسف ناصف” صاحب دار “المصري” أهداني اليوم كتاب “الخال” للصّحفي “محمّد توفيق”، ولم يكن في الغرفة غيره! قلتُ: ليكن، سأقرأه.
الغلاف بسيط، يُعبّر عن بهجة الحكمة في ملامح “الأبنودي”، بعصاه وجلبابه، أمسكت الكتاب، وقبل أن أتصفّحه، عرّجت على أرشيف الكاتب في آخر صفحات الكتاب، صور لـ”الأبنودي” نادرة، معلومات، مراجع، ثمّ بدأت ليلتي مع “الخال”.
وسرعان ما انقضى الوقت، بلغة بديعة تلقائية، وبناء مُحكم، يروي لنا “محمّد توفيق” حكاية “عبد الرّحمن الأبنودي”، المفترض أنّها على لسان “الأبنودي” نفسه، وصاغها “توفيق”، إنّما شعرت أنّها شذرات استطاع “محمّد توفيق” أن يلملمها في حكي شفيف، وسرد قلّما قرأناه بقلم صحفي، أحالني –فورًا- لزمن عظماء الكتابة الصحفية، “جلال عامر” و”أحمد رجب” و”السعدني” و”إحسان عبد القدّوس” وغيرهم، أنت هنا أمام رواية، رواية كاملة الأركان، حبكة وبناء ولغة وتقاطعات زمنيّة، كلّ ما يُمكن أن تتّصف به رواية كاملة، لم يكن الكتاب مجرّد كتابة صحفية لسيرة حياتية، أو مجرّد سرد لوقائع حدثت في حياة “الأبنودي”، إنّ “توفيق” يُعيد تدوير الأحداث في تناسق تامّ ليبني لنا عالمًا روائيًا يخصّه هو في الأساس، خطّه بقلمه حرفًا حرفًا، في براعة يُمكن بالفعل أن نحسده عليها، بل يُمكن الذّهاب إلى أنّك كثيرًا ما ستشمّ روائح قرية “الأبنودي” بناسها وجغرافيتها وعاداتهم وظروفهم الاجتماعية، أمّ “الأبنودي” وإخوته، كان تساؤلي الحقيقي عقب أن أنهيت الكتاب في جلسة واحدة –وقد سألته للكاتب نفسه: أين “عطيّات الأبنودي” من سيرة “عبد الرّحمن”؟ ويظلّ الجواب في نفس الكاتب.
ومشكورًا أرسل لي “محمّد توفيق”، بعد إصراري، أحدث أعماله الكتابية؛ “الملك والكتابة”، قلتُ لابدّ أن أتتبّع خُطى هذا الصحفي، والكتاب عبارة عن تاريخ للصّحافة المصرية منذ الخمسينات ولنهاية التسعينات، كتاب صادق لأبعد حدّ، ومُحايد، لا هو مع، ولا هو ضدّ، الكاتب تعامل هنا مع صحفييّ هذه الحقب كبني آدميين في المقام الأول، فلا هو دوره أن ينتقد، ولا أن يُجامل، هؤلاء بشر، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، إنّما المُدهش في الكتاب هو مدى الجديّة التي التزمها الكاتب، ومدى الحرفية في نقل وقائع هذه الحِقب، وملابساتها، الأدهش سعيه إلى توثيق حقيقي، بالأدلة والمعلومات والمراجع الكافية، وكأنّما انتقل بنا –بشكل سلس- لنشاهد بأعيننا صحافيين من لحم ودم، عانوا بسبب مواقفهم، ودفعوا الضرائب، كاملة، أُودعوا في سجون الأنظمة المتعاقبة، وأُغلقت صحف، وأنشئت صحف، وتدور الأيام بالصحافة، نشاهد بأعيننا رجالاً قامت على أيديهم الصحافة المصرية، والعربية، وفي حديثي مع “محمّد توفيق” بعدها، أخبرني أن الكتاب عبارة عن أجزاء، سيتناول حِقب أخرى في أجزاء لاحقة.
هذان الكتابان كشفا لي عن كاتب صحفي يصعد في هدوء لمرتبة الخلود، يغرّد منفردًا، لا يسير على خطى أحد، ولا يسير في درب أحد، ولا يشبه أحدًا، كاتب كبير، على صعيد الكتابة الكُبرى المُدهشة، وعلى صعيد البحث الواعي المُحايد، ستكون له مكانة –بديهية- خلال سنوات قليلة، بل يُمكنني أن أجزم أنّ مكانته ستتجاوز مكانة كثيرين، ليصبح “محمّد توفيق” أهمّ كاتب صحفي عربي على الإطلاق.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend