التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

محمد ناجي عبد الله يكتب: «سواد الظِّل»

بقلم: محمد ناجي عبد الله

عندما تتأمل العنوان جيدا، “قيامة الظِّل” ، المكون من كلمتَين فقط، تشعر، إذا ما كنت قارئاً تبحث عما وراء المعنى العام، و تُقيم أوزان الكلمات بِحِرص، أنك أمام عمل أدبي يتخذ من الرموز _بالدرجة الأولى_ خامة أصيلة للتعبير.
“القيامة”، تلك الكلمة، التي توحي بالإنتظار الطويل، إلى ما قبل الأبدي بقليل. توحي أيضاً بتراكمات عِدّة و طبقات تتالى فوق بعضها، تتكَتَّل و تتشابك أثناء هذا الحيز الزمني المديد، حتى تصل لأقصى درجات الإمتلاء، لتنفجر إنفجارها الأخير مُعلنةً عن معناها _معنى القيامة_ الإنفجار الأول والأخير، حيث شيءٌ عظيم يبدأ ولا يتوقف.
“الظِلّ”، الكلمة التي حالما ننطقها، تُحيلنا إلى موسيقى غريبة، حرفَين فقط قادران على إنتاج موسيقى رتيبة، سوداء، مكتومة. صوت الكلمة ذاتها مكتوم لأبعد حد، ورائِحة مُكَمكَمة في ظلماتها تفوح من ركام مكتوم. فأيّ قيامة تلك التي تقوم من ظُلمات؟!.

العنوان، “قيامة الظِّل”، أحال مُخَيِّلَتي إلى “ثورة”. ربما ثورة على الظلام، ثورة على الظُلم، الظُلمات، الليل، الوَحشَة…ربما ثورة على “الأسرار”، التي لا تخرجُ من بِئرِ الليالي. هكذا أرى، من وجهة نظر شخصية، أن هذا العمل الأدبي قائِمٌ على عواميد من كلمات ولدنات أساسية، تُعطي له موسيقاه الخاصة جدا، والتي كانت بالنسبة لي، كلمة الإتفاق الأولى للكاتب مع قارئيه، على أجواء عمله منذ البداية…كلمات ك: (ليل، أسرار، خبايا، ظلمات، ظلم، ظلام، كظيم، ظِل، ظِلال، أسود، كحيل، ثورة، ثائِر، إنفجار، قيامة، قوم، قوامة، قيمة، نهاية تعقبها بداية)…كلها كلمات تُشَكِّل أساسات هذا العمل الأدبي.
من الصفحات الأولى، والمشهد الإفتتاحي يُنَبِّيءُ بأننا أمام عمل فانتازي، حيث يجد أحد الرسامين أن ظلال الأجسام البشرية في لوحاتِهِ قد إختفت تماما، تاركة مكانها فراغاً غير منطقي…ما هي إلا لحظات حتى تختفي ظِلال الحاضرين…ليبدأ ظِلٌ، متمرِّدٌ، مع الصفحة الأولى للفصل الأول، بالشعور بذاته وقد بدأ يفكر ويتأمل ما حوله من عالم جديد، صار هو فيه مُتَحَكِّمٌ بعقلِه وجسده تماما، وله أفكاره الخاصة. يبدأ الظِّل الفريد من نوعه، يتأمل حاله، وصاحبه البشري الذي كان يلازمهُ. بمرور صفحات الرواية تتضح أفكاره الخاصّة جدا، وآرائه فيما وجد من أفعال البشر وأولهم صاحبه البشري، الذي كان غارقاً في الملذات الشهوانِيّة، والتي بدورها، لم يفهمها ويشعر بها الظِّل، ولم يفهم سِر إندفاع البشر وراءه. تستمر أسئلة الظِّل الغريب عن ماهية وجوده وإدراكِهِ لما حوله، بينما يراقب ظِلال البشر والحيوانات من حوله، ويتملَّكهُ الغرور حينما يكتشف قدرته العجيبة على إحياء الظِّلال، مُعلناً نفسه “نَبِيَّاً” عليهم، أتى ليُحَرِّرهم من أمرٍ، حتى الثُلث الأخير من الرواية، لم يَكُن يَعلمه!. “الظِّل الذي كان على حق”، أو كما كان يَصِفُ نفسه، تبدأ مَلَكَة السيطرة تستحوذ عليه، مؤكداً على قدراتِه الخاصة حينما يمسحُ على ظِّلال فيحررها من تَبَعِيَّتِها للبشر، تتخبَّط أفكاره في الثُّلث الأول من الرواية حول ماهية وجوده، بينما يكتشف أنه ليس فقط مجرد ظِل، إنما هو أشبهُ بحاوية ذكريات للتاريخ بأكمله، منذ بداية الخليقة.

اللغة: جاءت اللغة متمثلة في ثلاثة محاور. أما أولها، فيتمثل في باليتة ألوان قاتمة، أحالت كل الأحداث إلى ديستوبيا كحيلة، لا أمل في الفرار منها. الألوان يمكن أن يستشعرها القاريء العادي هنا، واضحة في سوادها، يمكنني القول، و بمنتهى الثقة، “وكأن ألوان الأماكن والشخوص بهذا العمل قد إنسَكَبَ عليها ظِلٌّ سَقيم، ظَليل، فأطفأ لونها الحقيقي…تاركاً كل الصور والكادرات بالمشاهد على طول الرحلة غامقة التَّشَبُّع…مُقلِقة في قوامها…لن تستطيع إستنباط لون واحد طوال الرحلة مُتَشَبِّع وصافي. الظلال لا بد لها من ضوء ينتجها، فأينما وُجِدَ الضوء وُجِدَت هي، لذا، فإن خيال المُتَلَقِّي هنا يمكنه رسم أحداث و شخوص العمل بتلقائِية شديدة، مستعيناً بديكور وإضاءة حقيقية أجاد الكاتب إستعمالها، دونما أن يُسهِب في سَرد ووصف لأشكال ومجسمات العمل. وأما ثانيها، فجاء متمثّلا في “الجُمَل القصيرة”التي إعتمدها الكاتب كوسيلة فعالة جدا _في رأيي الشخصي_ لإظهار تيمة النص الحقيقية…تيمة “الخليقة والتكوين”…فمن حيث كانت ولادة “الظِل الذي كان على حق”، كانت أيضاً ولادة أسئلة وجودية تختلج خلده، يحاول البحث لها عن إجابات على طول رحلته، و تلك الأسئلة كانت تأتي مُتَقَطِّعة، تماما كإجاباتها. الجُمَل القصيرة التي إستعملها الكاتب، و الجُمَل “القصيرة جدا” التي قد تجعل من سير الأحداث مؤلما للعقل، بتكرار التوقف في السرد على رِتم مزعج بعض الشيء في بِضع مواقف سردية، جائت أيضاً بالغة الروعة في مواضِع أخرى…إذ أني أجد أن في بعض المواضع لجأ الكاتب لِجُمَل سردية قد لا تتعدّى ثلاث كلمات أو كلمَتَين، و هو ما أشعرني بأن صوت السارِد هنا متعادِل النغمة إلى حد شديد البرودة، أو إن صَح القول “شديد الآلية” و كأن مخلوقاً آلياً يروي لنا الأحداث في تلك المواضع، مخلوق بارد لا مشاعِر له…تماما مثل “الظِّل النَّبي” الذي كان يقود بني جنسه نحو هدفٍ ما…القيامة التي ستأتي عاجلا أم آجلاً.
أما المحور الثالث، و هو في رأي يُشَكِّل أهمية طاغية، فهو “موسيقى النص”. هذا العمل له موسيقى مميزة، نغمات تتشكل بسلاسة أحيانا، و بِسرعة شديدة التسارع في أحايين أخرى، لتصل إلى بطءٍ يكاد يساوي الركود حتى يُخَيَّل إلَيك أن الكاتب نفسه قد أرهَقَهُ الركض و اللهاث نحو سراب خط نهاية غير موجود، فأراد الترَيُّث حتى يلتقط الجميع أنفاسَهم، ليعود مرّة أخرى إلى “التِّمبو” السريع، أو ما نُسَمِّيه نحن _أهل الموسيقى_ ب”آلليغرو”…إلى أن تعود في نهايتها إلى الريتم فائِق السّرعة “بريستيسّيمو”…حيث النهاية السريعة جدا لكُل شيء…كما هو الحال في إنفجارات أيّ قيامة…كما أن كتابة الرواية بتكنيك كتابي مختزل كهذا، يُرَكِّز على سرد الأحداث، محاولاً إحتواء رحلة كاملة بين دفتَيه، كأنّها “قِصَّة قصيرة طويلة”، ربما أفقدها بعض التفاصيل على حساب الشخوص و الأنوات السّاردة لها…لكنه في المُجمَل جاء مُوفَّقاً للبناء.
بإجتماع المحاور الثلاثة، نجد أن الرواية هنا لم تكن أحادية الخط على الإطلاق، بل إنها طوال الوقت تحاول أن تجد ثغراتها الخاصة للإفلات من هذا المأزق…فجائت متعددة الخطوط…تماما كما يمكن أن أطلق عليه كموسيقي ب”البوليفونيّة”، و هي مصطلح موسيقي يعني “التطوير المُتَزامِن لصوتَين أو لعدة أصوات، كُلُّ منها مُستَقِل بذاتِه كحكاية و لحن خاص، إلا أن جميعهم على تناغم تام في المقطوعة العامّة” .

شخوص العمل، لا يمكنني أن أجزم، أن الشخوص هنا كانت تعني بالكامل “رموزاً” مباشِرة. جاء رسم الشخصيات بسيطاً للغاية، كأن الكاتب أراد لنا أن نعيش إثارة الحياة بزخمها، في خطوط قاسِية على ورق لا يحتوي مساحات بيضاء، على لوحة كئيبة، إذا وُضِعَ بها خط واحد فلا يمكنك أن تعود لمسحِهِ، و ما عليك سوى المُضِي قُدماً نحو مصير القيامة…كذلك كانت كُل الشخوص فيما عدا الشخصيات الأنثوية. جائت الصفات الشكلية لغالبية الشخوص شبه مبهمة، ربما فقط دلالات عامة ك”عجوز”، “رجل أو إمرأة”، “طِفل”، “بشري أو ظِل من الظِّلال”…لكن شخصيات الإناث إتَّسَمَت بالوصف الجسدي الشديد، و التصنيف التشريحي الشهواني لأثداء و مؤخرات و البشرة و الملابس و الزّينة الأنثوية التي كانت تتسم بها كُل إمرأة، بينما، جاءت الصفات الحِسِّيّة و المشاعر التي تختلج أولئك النسوة ضئيلة، باردة، كُن قويات و لكنهن مع تطور الأحداث بِتنَ كأنهن يؤدِّين أدوارا ثانوية لمشاعر الإنسانية…و ربما أراد الكاتب أن يؤكد هنا على أن تلك القيامة التي كانت تقترب سريعاً، تحمل نساؤها سمة مشتركة، أنهن يُعامَلنَ ك”دُمَى للمتعة”، و جائت أشهر تلك على هيئة “ثورة”…الفتاة بارعة الجمال التي تمناها الجميع. “ثورة”، الفتاة الثائِرة الفائِرة، و “ثائِر”، الشاب الهائِج بنيران الوطنية و مباديء جيفارا الأصيلة، الذي قُتِلَ غدراً أعزلاً، كلا الشخصيتَين كانتا الأكثر وضوحاً لرمزية و دلالة إستمرت حتى النهاية. “ثورة”، الفتاة التي رفسها الجميع بِخِسَّة، نهشوا جسدها المُفَتَّتَة عظامه من آثار السقطات و الإنفجارات، لم تفقد جمالها و فتنتها حتى النهاية. رغم الألم، و التشويه، تظل مطمعاً للجميع، النساء قبل الرجال، و الكل يسترق ما يستطيع من لحظات ماتِعة يقضيها مع الجسد الشِّبه ميت بروح متأججة…الكُل مُستَغِل بشكل أو بآخر…الجميع يبحث عن مصلحة شخصية، بطريقة شهوانِية تهتم فقط ب”اللحظة الحالية”. من السمات الأساسية لهذا العمل هو “المصير المجهول”، الذي لا يعلمه أحد، فيلجأ الجميع لإغتنام اللحظة الحالية بمنتهى الوحشية، ظناً منهم أنه لا مستقبل واعد ينتظرهم.

هذا عمل قاتم، مليء بالأوجاع، قد يجعل من لا يزال يملك بعض الحِس أن يشمئز، أو يتقيّأ أحيانا، من شدة ما إنتهكه الجميع من جسد “ثورة” الذي لا تنضب ينابيع فِتنَته أبدا. عمل جدير بالقراءة، رغم أني أعيب عليه فقط السوداوية المُفرطة، فحتى الديستوبيا شديدة السواد لا يمكنها أن تتضح بدون قِطع من الضوء…لكن الضوء هنا جاء في حالتَين…إمّا شديد كضوء الظَّهيرة، فتأتي ظلاله حادة، شديدة الثّورة على رؤوس الخلائِق…أو أنه ضوء صناعِي من لمبات الليل، ضوء ليلي هزيل، يحملُ في عبائَةِ ظُلمَتِهِ الكحيلة ظِلالاً هزيلة، خنوعة، خاضِعة و ذليلة، تحاول كتمان فضائِحها و خيباتها حتى يغسلها الصباح.
ما أجده يُمَيِّز هذا العمل أيضاً، من وجهة نظر خاصة جدا، بل و قد يُمَيّز أي عمل أدبي آخر، هو “قماشة العمل”. “قيامة الظِّل” هي قماشة واسِعة، من خامة تتسع لعدة أصناف فنِّيّة أخرى. تتسع لإلهام فنان تشكيلي لإقتناص و معالجة أفكارها بلوحات و ألوان لها مودها الخاص…تتسع لعمل مسرحي قائِم بذاته تماما…تتسع لترجمتها لسيمفونية موسيقية، لا أقول أن موسيقاها جنائزية، فالموسيقى الجنائزية تليق ب”نهاية قصة”، أما هنا، فإننا نتحدث عن بداية، بداية ما بعد غبار الحرب، حيث لا تزال رائحة الأدخنة حيّة في الأنوف…و حيث نهاية الرواية…التي جائت مناسبة جدا لبناءها المعماري.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى