التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

أحمد أبو الخير يكتب: ماذا تقول الروح العظيمة؟

كتب: أحمد أبو الخير

Ahmed Abo Elkheir

له بَشرة سمراء كالأرضِ التَي ظَل سنوات طَوال يُدافعُ عنها، كالأرضِ التي كانت شاهدةً على مَسيرةِ الملح الشَهيرة؛ كمُحاولةِ لإستنهاضِ الأنفس المُنطوية على ثَورة داخلية تحتاجُ للنبشِ، محاولة لدفعِ الغازي مُدلى الرأس خارج البلاد، رأس حليق يُشبه حَبة طماطم ملساء، تعج بتسامحِ غير عادي، وتصالح مع الكونِ كُله لا يُوجد مثيل له، أما الجسد فيُمكنك أن تَراه عود قصب جاف ولكن له جذور قوية في الأرض، فهو منها ولها، أو عمود إنارة ثُبِتَ على ناصية أعتى الأحياء فقرًا، ولكن العمود قد خَرَق القوانين – التي من أجلها قَام في هذا المكان – فالمفترض أن تكون الإضاءة خافتة، ذابلة، غير موجودة أصلاً – – وأنار العالم كُله لا الحارة والحي الفقير فقط، قد التف هذا العود الجاف داخل أوشحة بيضاء تُشبه الملابس التي يرتديها الحُجاج، أو تِلك التي يُلف بها الوليد الصغير بعد أن يصرخ صرخته الأولى؛ لأنّه رأي العالم، وهو مُنسجم داخل تِلك الملابس المُلتفة حول خصره، إذا انكمش داخلها يصير حقًا طفلاً وليدًا؛ فيتخلى عن الشرور، يُطلق العنان للبراءة، مباديء التسامح ويسكبها داخل أمخاخ العالم بهذا الفم المُبتسم دائمًا.

هذا هو غاندي الذي تحدث عنه الباحث والمُناضل نورمان فينكلستاين في كِتابه [ ماذا يقول غاندي؟ عن اللاعنف والمقاومة والشجاعة]، الكِتاب يُوزع مجانًا مع مجلة الدُوحة، بترجمة رشيقة، للمترجم أحمد زراقي، ترجمة غير غافلة عن التفاصيل الدقيقة، ومنطوية عن لغة رقيقة تواءمت مع تيسير بعض المصطلحات الكبيرة، والعميقة للقاريء.
نورمان المناضل، رأي بنظرة ثاقبة أن هناك حضور قوي لاسم الماهاتما- أي الروح العظيمة – غاندي، ولكن دون المعرفة وثيقة الصلة بما تركه من تراث مكتوب للإنسانية، وكان نورمان قد غمس عقله الواسع داخل مخ وفكر غاندي وذلك لعدة أسباب منها الدافع الرئيسي الداخلي له وهو محاولة العثور على حل سلمي لتفكيك حالة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ثم كانت الدوافع الخارجية المتضمنة للثورات التي عصفت بالمنطقة العربية من أول تونس، مرورًا بمصر عودة ليبيا وسوريا والعراق واليمن، وغيرها من محاولات في بُلدان ومدن العالم أجمع مثل المتظاهرين على جسر بروكلين، والذين كان مصيرهم الإعتقال الجماعي.
رأي أن هذا كله كالعاملِ الحفاز،عمل على تأجيج داخلياته، ورأى أن هذا ضرورة منه لإذاعة مبدأ غاندي عن اللاعنف، والمحاولات السليمة للوصولِ إلى بر الأمان، بل والتوعية للشباب الثائر دومًا للتفكير قبل اتخاذ أية خطوة قد لا تكون مأمونة النتائج، فتكون وسيلة اللاعنف من ضِمن وسائل – ويرجو نورمان مع صيحات غاندي أن تكون الوسيلة الأولى- للإتكاء عليها بديلاً عن العنف وما يستتبعه من خسائر سواء على مستوى الفرد، الذي بالضرورة يؤثر في بِنية المجتمع الداخلية فيتردى خلفه.

 

***

“لأنّ قضية الحُرية تُصبح مسخرة إذا كان الثمن الذي يتعيَّن تسديده هو الدمار الشامل لمن يفترض أن يتمتعوا بالحرية”

ابتدع غاندي فلسفته التي تُسمى في السنسكريتية بـ “ساتياغراها”، وتعنى الإصرار على الحق أو قوة الحق، ولكن هذا الحق لا يُأخذ بالقوة، أو بالإستخدام المٌفرط والمُتهور للشجاعةِ، بل عن طريق عِدة مباديء من أهمها : اللاعنف، مبدأ المحبة، وعدم الإكراه على شيء ما.

وعلى هذا المِنوال، وذلك المبدأ في الفصول الأربعة للكتاب يعمل الباحث نورمان على التأكيد لمبدأ اللاعنف من وجهة نظر غاندي من خلال إيراد العديد من الاقتباسات من كُتبه التي تصل – كما يقول – إلى 100 مُجلد سميك، وقد تضافر والتحمت هذه الاقتباسات، مع تعليقات الكاتب نفسه.
فالكِتاب عبارة عن استشهادات كثيرة لغاندي، ثم مبثوث داخلها، تعليق للكاتب، كمحاولةِ منه لإيضاح الفكرة، كأنّه يُحاول أن يضعنا وجهًا لوجه مع فكر غاندي، أو محاولة ضمنية منه للتحرك و الإستزادة لقراءة أعماله، والجري ورائها.
إذًا، لابد وقد تغلغل ولمع داخل عقلك – عزيزي القاريء العديد من التساؤلات حول مبدأ العنف واللاعنف، ومتى استعمل ذلك؟ ومتى أكف عن هذا؟ ثم – ومؤكدًا حصل – سألت نفسك، ماذا إذا وُضعِتَ في موقف أردت فيه استخدام الشجاعة، هل استخدم” الجبن” وأكف عمّا نويت فعله؟
وهذه المعضلة الأخلاقية الشديدة، وضع لها غاندي ميكانيزم دافعي فقال ” الجبن عجز أسوأ من العنف”، حيث قال في إحدى تعاليمه :
” … عندما سألني ابني الأكبر عمّا كان ينبغي عليه أن يفعل، لو كان حاضرًا عند الاعتداء عليّ بشكلِ كاد يفضي إلى هلاكي عام 1908م، وما إذا كان عليه الفرار ورؤيتي أُقتل، أم كان عليه استخدام قوته البدنية والدفاع عني، وهو ما كان يقدر عليه ويرغب فيه للدفاع عني، قلت له إنّ واجبه كان هو الدفاع عني، ولو باستخدام العنف”
وذلك هو تبرير غاندي لاستعمال العنف، العنف لا يُستخدم في أي وقت، أو أن يكون هو المصدر الرئيسي للتعامل مع الكون، مع المعتدي والمغتصب للأرض، مع آكل الثورة، إنما وسيلة تستخدم إذا وجدت نفسك مضطرًا إليها.

إذًا أردت الحُرية – كما أرادها غاندي، ومن الأساس هذا المبدأ الكامل الداعي إلى اللاعنف، كان الهدف منه هو العصيان المدني للإحتلال والغزو البريطاني للأرض، وللثروات الداخلية للهند- فماذا أفعل؟
هل أعيث في الأرض فسادًا، استعمل العنف؟ هل أخاف وأرتعد من سطوة السلطان والقوة العُليا عليّ؟ ماذا أفعل ؟
” إن أحد الدروس التي على أمة تتوق إلى الحُرية أن تتعلمها هي تبديد عِدة مخاوف؛ الخوف من فقدان المنصب والثروة والموقع والخوف من دخول السجن والأذي الجسدي وأخيرًا الموت”

أيضًا هل يُمكن أن ينبع ويسطع نجم هذا المبدأ في مجتمع تسوده الطبقية التي تفرق ما بين البشر، وتصنع فروق فردية بين الأفراد بُناء على الثروات التي يمتلكونها؟
” من الواضح استحالة قيام نظام حكومة لاعنفي طالما بقيت الهوة الواسعة بين الأغنياء وملايين الجياع قائمة “

 

***

هنالك استحالة شبه مُجمع عليها من قِبل سكان العالم كُله هو أنّ هُنالك شيء مثالي، كامل، ليست به أية خطيئة، فهذا شِبه مستحيل حدوثه، وكذلك كان الكِتاب، فلقد أراد نورمان أن يجعلك تعود دائمًا – كقاريء- إلى المراجع التي استقى منها مادة كِتابه، ولكن هذا أضر النص أعظم الضرر، فلقد صار مُمتلئًا بالهوامش الثقيلة، التي من الممكن أن تغفلك عن قراءة النص نفسه، هوامش كان من الممكن أن تُوضع في نهاية الكِتاب – وهذا مُجرد رأي- فلا تقف الحيلولة بين عيني وتركيزي ومحاولتي – كقاريء – لتذوق النص وإعمال العقل الفردي فيه.
وإنّ كان خفف من وطأة هذه الفعلة هو مُلحق الصور الخاص بـالمهاتما غاندي، صور له في جميع مراحله، منذ التكوين في الطفولة، إلى الكهولة.

***

من العجائب أن غاندي كان يدعو إلى احترام حقوق المسلمين في بلاده، وهذا أغضب الهندوس، وبالتالي خرج أحدهم عن طوع التسامح، استخدم عنفه، وهذه المرة ليس ضد عدو مغتصب، أو سلطة تمنح نفسها قوة إلهية تفرضها على الرعية، وإنّما على غاندي نفسه، فيقلته برصاصات تُرده قتيلاً.

وستظل محاولة الفصل بين وجوب استخدام اللاعنف كوسيلة للارتكاز عليها لهدم الوحشية الإنسانية، وبين استخدام العنف كسيرورة لفض النزِاع والاشتباك ثابتة وموجودة فكما قال غاندي
:
” اللاعنف الخالص الذي لا تشوبه شائبة مستحيل استحالة مستقيم أوقليديس”

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة