الرئيسية / إبداع / «فتاة الاستعراض» قصة لـ «محمد عبد السلام السنوسي»

«فتاة الاستعراض» قصة لـ «محمد عبد السلام السنوسي»

فتاة الاستعراض

قصة: محمد عبد السلام السنوسي

Mohamed Snoussi

كانت صالة استقبال المتقدمات للوظيفة اشبه بحديقةٍ غرست في كل زاوية فيها زهرة ملوّنة فوّاحة، فالفتيات الشقراوات كنورات العبّاد برؤوسهنّ الفاقعة، والخمريّات كالورود القانية، والبيضاوات كالأقحوان، أدارت بصرها تبحث عن مقعد فارغ فلم تجد، قالت لها الموظفة المسؤولة: هناك مكان بجانب دورة المياه. أجلسي حتى يأتي دورك.
قلّبت لجنة التوظيف أوراقها متعجلة قبل أن يقول لها الرئيس: مؤهلاتك رائعة لكنها لا تناسب هذه الوظيفة، نحتاج هنا قطة بريّة متوحشة، قبل أن تغلق الباب سمعته يضحك قائلًا: خنفساء سوداء.
في طريق العودة إلى المنزل توقفت قليلًا أمام باب السيرك، طالعت الملصق الإعلاني للساحر وبجواره مساعدته الحسناء ترتدي بذلتها الحمراء الجلدية، هاتفوها: عودي سريعًا هناك خاطب ينتظر رؤيتك.
على باب الدار انتظرتها الأم بملابس جديدة، هامسة نصيحتها المعهودة: الملابس الفاتحة ستفتّح بشرتك. في صحن الدار لملمت أم الخاطب وأخواته الكلام المتناثر متعجلين الذهاب، قالت أخته الكبيرة: الزواج نصيب.
اشاح أبوها بوجهه دافنًا رأسه في الجريدة، بينما رددت أمها الخاتمة المكررة في مثل هذا الموقف: يا ربي حتى الخنفساء السوداء تتزوج وإلّا من أين تأتي كل هذه الخنافس؟، في أي جحر أجد خنفسًا يشبهها؟
أثارت كلمات الأم شهية أخواتها للضحك، ضحكت لهم قبل أن تغادر إلى السيرك من جديد. هل تبحثون عن مساعدة للساحر؟ – سألت صاحب السيرك – أجابها: لا، لكن نحتاج إلى متطوعة للاستعراض الجديد. قالت: سأصعد إلى خشبة المسرح. أليس كذلك؟، هزَّ رأسه بالموافقة.
قال الساحر: ستجلسين في الصندوق الخشبي، ثم أقطعك نصفين بالمنشار الكهربائي، هل أنت خائفة؟ أجابته: هل سيصفقون؟
عندما شاهدها صاحب السيرك في البذلة الحمراء الجلدية قال: تشبيهين قطعة فحم تحترق، كان يجب أن نغيّر اللون الأحمر بلون أخر يفتّح بشرتك قليلًا.
قادها الساحر إلى منتصف خشبة المسرح، تحمَّس الحضور، صعدت إلى الصندوق الخشبي، لم يظهر من جسدها سوى ساقيها المهزولتين بلونهما الحالك حبيستي جورب كشبكة الصيّاد وبؤبؤي عينيها المتعلقين بأكف الجمهور.
ارتفع صوت المنشار الكهربائي، وتصاعد الشرر، كان الجمهور يهتف راغبًا في المزيد من الإثارة، فمضى الساحر يشق الصندوق ويشق جسدها معه، كتمت صراخها لتسمع تصفيق الجمهور، لم يكن هناك تصفيق، كانت فقط صيحاتهم تحرض الساحر أن يكمل الذبح للنهاية.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

نسخة عالية الجودة «هاي كوبي».. نص لـ أمينة حسن

نص: أمينة حسن خاو ومشتت بعد الترك القديم، كجذع شجرة جوفاء، كل ما تملكه من …

Send this to a friend