التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

مروة سمير تكتب: محمد ناجي..فيض من الأساطير والحب والألم والإنسانية

قراءة في بعض أعمال المبدع محمد ناجي
بقلم: مروة سمير

محمد ناجي روائي وصحفي مصري، ولد عام 1947 بسمنود في المنيا وتوفى في نوفمبر 2014، ويعتبر من أهم كُتاب الرواية العربية، حيث تفرد برؤية فلسفية تمزج الأسطورة بهموم الواقع؛ ليضيف إليها حياة جديدة وأبعاد مختلفة، كما ترجمت بعض أعماله للإنجليزية والأسبانية.
ما أن تقرأ لمحمد ناجي حتى تتعرف على عالمه الخاص الذي نسجه بفيض من الأساطير والحب والألم والإنسانية والفيروز والكهرمان وأحجار القمر، ترى عشقه الواضح للأحجار الكريمة ودرايته الواسعة بأنواعها وأشكالها وألوانها، فتجدها تحتل مكانة في أغلب أعماله.
كما تميز في تناول تغيرات الطبقة الوسطى، والغوص في النفس البشرية بمنظوره الخاص، من خلال نماذج متنوعة، كتبها بسلاسة وصدق، ورؤية متفردة.

“إن أصواتنا هي أيضًا أصداء متوالية للصوت الأول، الذي صاحب الضربة الكبرى.”
في رواية “الأفندي” يأخذك سرد متدفق سلس، تسحرك الشخصيات المفعمة بالحياة وتناقضاتها، “نازك” التي تحبها وتزدريها وتشفق عليها، تعشق قصصها الأسطورية عن “ستنا والواطي” ويأسرك حزنها.
“حبيب أفندي” الذي جسد تغير حقب زمنية ومجتمعية هامة، المستغرق في ذاته إلى أبعد حد، الغافل عن كل شيء إلا مصلحته وتكوين ثروته، حتى مشاعره يتنكر لها ولا يتعرف عليها، يمضي به العمر؛ ينظر لما جناه، فتبدو حياته فاقدة المعنى.. منقلبة رأسًا عن عقب.
تسير بك لغة ناجي سلسة بسيطة لدرجة مدهشة، التنقل بين المشاهد سينمائي سريع، حتى تشعر أنك تشاهد فيلمًا، ثم يفاجأك بين فقرة وأخرى بجمل رائعة وتعبيرات مبتكرة مؤثرة لا يمكن إلا أن تعلق في ذهنك وتتوغل فيك.
“أحيانًا أتأمل بصمة إصبعها على الورقة، وأغوص في دواماتها الحلزونية، يأتيني صوتها المستحيل من الدوامة كأنه يأتي من عمق الانفجار الأول، النبض الأول: -يا وعدي.”
تشعر بعد انتهاء الرواية أن الأبطال يعشون في ذهنك، أن صوت نازك يتردد في أذنك باستمرار، تغضب فتسمع كلمتها الأثيرة ” الواطي!” كأنها تنطقها أمامك..
تعشق؛ يأتيك صوتها عميقًا هامسًا : ” يا وعدي.”

“لحن الصباح” عمل يترك في النفس أثرًا قويًا ومرًا، جاء الإبداع في اختيار الشخصيتين؛ نموذجان يعكسان التشوه المجتمعي، أحدهما لا يملك سوى جسد بروح ضعيفة مرتعشة.. وآمال وهمية، والآخر بواقي جسد مبتور الأطراف، لا يملك إلا روحًا مشاغبة، تتوق للونس والصحبة خلف أفعاله العنيفة المزعجة.
ينتظر أولهما عدلًا غائبًا وقاضي بعين من ياقوت. وتداعب أحلام الأخر فكرة الرفقة والونس بامرأة يتزوجها تنهي وحدته.
في هذا العمل جاءت التعبيرات فجة وقوية مناسبة للشخصيات ووضعها، منفرة أحيانًا لكن واقعية،
ومع ذلك لم تخل من الشاعرية البديعة في أجزائها الأسطورية والحالمة.

“ليلة سفر” رواية مختلفة تمامًا.. رائعة تمامًا، هي الأقرب لقلبي بشخصياتها، بإنسانيتها، بوجعها ووجع العمر المهدر الذي اجتمع بالكوفية الحمراء، الخيوط الصوفية التي اكتمل غزلها بعد أربعين سنة.
عبد القوي-كوكب- صنارة- عدلي- إنجيل- نديم أفندي- الحفيد نصر، كل منهما عمل مبدع قائم بذاته.. ووجع مختلف، يجمع بينهم الاحتياج الانساني الذي يزيل كل السدود.
“أظن لكل منا أراجوز يخصه، خدعه بشكل ما، استدرجه وتخلي عنه، أراجوزي كان بهيئة مختلفة، ببذلة وطربوش وذيل حصان.”
بانسيابية وإحساس متميز نرى كيف يمكن أن يختلف تفكيرنا ومنظورنا مع الزمن.. فنرى الأمور بشكل مختلف، وتبدو كل العوائق التي حالت دون استمتاعنا بالحياة والصحبة طوال حياتنا، هشة واهية في آخر العمر، مع خلفية سياسية ووطنية مؤثرة شكلت إطارًا رائعًا للأحداث.

“خافية القمر” كالسحر يمتزج الواقع بالأسطورة، براعة الرؤية الفلسفية مع الحكايات الشعبية، فتقرأ وتستمتع قبل أي شيء.
تطوف بخيالك بين قمر وأدريس وسلمى وعبد الحارس، تسحرك اللغة الشعرية الموسيقية.. وينساب السرد من عينيك لوجدانك.
“يا شمس الغد
اخبزي لنا شمسًا جديدة
ليوم جديد”
تحكي الأسطورة عن الملك إدريس الذي اتخذ “قمر” فتاة ساحرة الجمال زوجة له وهى مجرد راعية فقيرة, فخانته مع عشيق لها. ولما سمع الملك بأمر الخيانة أمر العاصفة ففتكت بالزوجة الخائنة وهى مازالت تتقلب بين ذراعى عشيقها، وانطبقت الأرض فوقها. ومن يومها أصبح المكان يسمى “خافية قمر”.
ومع سحر الحكاية يصور لنا بمهارة الواقع الريفي بمعاناة أهله وشظف العيش، فترى إبداعًا فريدًا.
” لا شيء يمكن أن يخيف الرجل، لا شيء إلا الوقت الطويل؛ تنمو فيه الحكايات ببطء، حتى الخيالات تنمو وتحاصرك.. وتكتشف فجأة أنك لم تستطع أن تفلت رغم كل ما لديك من قوة وحيلة.”

أدب محمد ناجي يقدم حالة مختلفة وعوالم سحرية، لا مجرد حبكة تعتمد على البداية والنهاية، فهو كاتب تقرأ له لتثري خيالك وتروي شغفك الأدبي.
كاتب مبدع.. خلق عالمه الخاص، بفلسفة إنسانية وتأملات واقعية بجو إسطوري خلاب، بشخصيات غير تقليدية ولغة آسرة، فصار كحجر نادر من أحجاره الكريمة لم نكتشف قيمته إلا متأخرًا، لكنه سيظل نفيسًا وفريدًا للأبد.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى