الرئيسية / ساحة براح / الفاضل أبوعاقلة يكتب: حكايات الظعن.. رحلات الشتاء والصيف

الفاضل أبوعاقلة يكتب: حكايات الظعن.. رحلات الشتاء والصيف

حكايات الظعن
رحلات الشتاء والصيف

الفاضل أبوعاقلة

الظعن لغةً هو ضد الإقامة، ويعرِّف لسان العرب الظعن بأنه الذهاب والسير. يقول ابن منظور: “الظَّعْنُ: سَيْرُ البادية لنُجْعَةٍ أَو حُضُور ماءٍ أَو طَلَبِ مَرْبَعٍ أَو تَحَوُّلٍ من ماء إلى ماء أَو من بلد إلى بلد؛ وقد يقال لكل شاخص لسفر في حج أَو غزو أَو مَسير من مدينة إلى أُخرى ظاعِنٌ”. وهو المعنى ذاته للظعن في تراث دولة الإمارات، حيث كان البدو إذا ارتحلوا من موضع قالوا “شدّوا”، أو “ظعنوا”.
مع دخول الشتاء، يظعن البدو متتبعين مواقع الآبار، متنقلين من مرعى إلى آخر بحثاً عن الأماكن التي اخضرَّت بسقوط الأمطار، حيث يقومون برعي حلالهم، محافظين في ترحالهم على قربهم من مصادر المياه. أما في الصيف، فتكون الرحلة إلى حيث المصايف، وإن تتبعت أيضاً موارد المياه حتى الوصول إلى مستقرهم لحين انتهاء شهور الصيف القائظة.

رحلة الشتاء

مع أذان الفجر تبدأ رحلة الظعن، التي تتم عادة في مجموعاتٍ من الأسر (من 5 – 15) بحلالها. «تنوخ» القافلة في «القايلة»، أي الظهيرة، وتتناول الغداء في الطريق وترتاح قليلاً، ثم تواصل الرحلة حتى تتوقف مع وقت الغروب، لتنطلق مجدداً في فجر اليوم التالي، حتى وصولها إلى المرعى المقصود، ثم ينصبون خيامهم، إلى حين ارتحالهم إلى مرعى آخر.
في فترات الاستقرار المؤقت تلك، يمارس الظاعنون سباق الهجن، والقنص، ويحيون فنونهم الشعبية كالعيالة وغيرها، كما أن حفلات الزواج كثيراً ما كانت تتم هناك في البراري. بذلك كان الظعن للبدوي، رحلة حياة، ففيه يتحد مع بيئته، وتتسع أبواب رزقه، وهو موسم أفراحه، ومناسبة متكررة للتواصل مع ثقافته وتراثه.
في البيئة البدوية بالإمارات، يعمل البدو في رعي الإبل والغنم والماعز، وهي المهن الرئيسة التي كانت تفرض عليهم التنقل سعياً وراء مواطن الكلأ والماء، فيما تعمل قلة قليلة منهم في الزراعة، وغيرها من المهن الأخرى المتفرِّعة من مكونات البيئة المحلية نفسها، مثل تأجير الإبل لنقل العائلات بين المناطق والمصايف، واستخدامها في نقل الحطب الذي يقتطعونه من الأشجار المنتشرة في الصحراء والسهول “السيوح”، وبيعه للوقود في الحواضر، ويقوم بعضهم بحرق الحطب وتحويله إلى فحم نباتي.
كل هذه المهن المتصلة ببعضها في دائرة حلقية، تلتقي في قيمة العمل الجماعي الذي هو سمة المجتمعات في الإمارات. فالرحلة إلى مواطن العشب والماء تتطلب إعدادات يتآزر فيها الجميع، ويستنفرون طاقاتهم صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً. وتتشابك هذه المبادرات والجهود الفردية في عمل جماعي يشيع روح المسؤولية الإجتماعية، فتكون رحلة البدو نفيراً استثنائياً توزع فيه المهام على جميع أفراد المجتمع بشكل عرفي، يلزم الجميع بالعمل على القيام بأدوارهم كاملةً في مساعدة الآخرين على إنجاح رحلة تمثل وحدة المصير. وفي تنقلاتهم يحمل أبناء البادية الماء والطعام على ظهور إبلهم، ويشتركون في الزاد والطبخ لكل خمسة أشخاص أو أقل أو أكثر على حدة، ويجتمعون في الصباح والمساء على القهوة إذا كان عدد المسافرين كثيراً، ويقال للمشتركين في الزاد “أخو”، ووعاء الزاد “العاروك”، ووعاء الماء “السعن” أو “القربة”، وهما في العادة من جلد الأغنام.
كما يتبادل البدو الأدوار في الذود عن القافلة، وتأمين مسيرها حتى الوصول إلى المضارب الجديدة. ولا تنتهي المسؤولية بنواخ القافلة، فمرحلة الاستقرار هي الأخرى تمثل صورة للتلاحم والتعاون، في نصب بيوت الشعر وتأمين أسباب الحياة اليومية لأفراد المجتمع وحلالهم، حيث يستقرون في البقعة الواحدة لأسبوع، قبل أن يرحلوا إلى أخرى.

الصيد من خيرات البراري

بجانب ممارستهم لسباق الهجن بين حين وآخر، كان البدو في الظعن يمارسون «القنص»، حيث كان كثير من الحيوانات البرية تغادر جحورها في الشتاء، وتخرج بحثاً عن الغذاء والماء والنور والهواء النقي، فيكونون لها بالمرصاد بوساطة كلاب الصيد المدربة، «والحبايل»، وهي المصائد الاصطناعية الحديدية، وأيضاً الطيور المدربة للصيد، وكذلك البنادق. والأرانب هي أكثر أنواع الحيوانات انتشاراً في البراري، وكانوا يجدون على الشجرة الواحدة من اثنين إلى ثلاثة أرانب متسلقة، وخلال ساعتين كانوا يصطادون من (10 – 15) أرنباً، كما أن الطير الواحد قد يأتي إليهم في الفترة الزمنية نفسها بـ (4 – 5) أرانب، والبعض كان يصيد بوساطة العصا أرنباً أو اثنين. لكن الكلاب كانت أكثر وسائل الصيد استخداماً، وكانت كل عائلة تمتلك كلباً أو اثنين على الأقل، وكثير من تلك الكلاب كان يتم استيرادها من دول الخليج، وتدريبها محلياً.
إلى جانب الأرانب التي كانت «الودام»؛ أي الغذاء الرئيس من اللحم، كانوا يصيدون أيضاً الكروان والحباري بوساطة الطيور، التي كانت أقل الوسائل استخداماً مقارنة بما هي عليه اليوم، ومقارنة بالاعتماد على «الكلاب» بالأمس، وأيضاً (بالحبايل) وهي المصائد التي كان ينصب الفرد الواحد منهم 4 منها على الأقل كل صباح، ليجني بها أرنبين وثلاثة عصر ذلك اليوم.

من يسر البر إلى عسر البحر

مع بداية فصل الصيف من كل عام، تنتهي شهور ومواسم اليسر في البر، فيعودون إلى «الظفرة» لتستقر عائلاتهم فيها أشهر الصيف والقيظ بجانب مزارع النخيل التي كانت عمومية. ثم يتجه الرجال إلى البحر، المصدر الرئيس للدخل، فلم يكن لهم غيره سوى رأسمالهم البسيط من الحيوانات، وخاصة «الجمال والنياق» التي كان يضطر الإنسان لبيع بعض منها عند الحاجة الماسة للسيولة.
وبعد قضاء شهور من الراحة والألفة والاستمتاع مع أهاليهم وأقاربهم في رحلات برية مطولة، كانوا خلالها يستيقظون كل صباح يسرحون ويمرحون ويرجعون «القايلة»؛ أي الظهيرة، لتناول كميات من «السح»؛ أي التمر والقهوة، ثم بعد ذلك يتناولون الغداء الذي يشتمل عادة على الأرز ولحوم الأرانب و«المجيج»؛ وهي أوراق شجرة «الأرطة»، وكانوا يستخدمونها كسلطة، ويشربون اللبن الحامض اللذيذ، ثم «ينتسدحون»؛ أي يستلقون في عشش وخيام تخترقها نسمات عليلة تهب عليهم من الشمال والجنوب، وفي ساعات العصرية «يفترون» أي يطوفون على موارد المياه يسقون جمالهم ويتسبحون، (ويعينون خيراً)، قرب عيالهم وأهاليهم، كل زاده معه.
بعد تلك الحياة البرية الممتعة تبدأ رحلتهم إلى المجهول في أعماق البحار، ومن محاضر ليوا تخرج قوافل الجمال وعلى ظهورها رجال البادية تاركين أطفالهم ونساءهم والديار خلفهم باتجاه الساحل في أبوظبي، حيث تنتظرهم سفن الغوص. وعقب سفرهم يعود (الجمالون) من الأبناء بقوافل الجمال إلى الديار في ليوا، خلال رحلة تستغرق شهراً مجيئاً وذهاباً من ليوا إلى أبوظبي وبالعكس.
وقبل خروجهم لرحلات الغوص كان «النواخذة» (يندبون لهم) أي يزودونهم سلفاً مقابل خروجهم للعمل معهم، بالأرز والقهوة وبعض من الضروريات المعيشية المتاحة في ذلك الزمان.

ظعن الصيف

ثمة رحلة أخرى على الجمال كان سكان الإمارات يقومون بها إلى مصايفهم في العين وليوا، وهي رحلة تختلف عن رحلات الشتاء التي فصّلناها سالفاً.
يصف الوالد جابر بن راشد الهاملي، أحد الذين عاصروا فترة رحلات القوافل؛ تفاصيل الرحلة في اتجاه العين بعد انطلاقها من أبوظبي، وإلى المنطقة الغربية، فيقول:
“الرحلة من أبوظبي إلى العين كانت تتم خلال ستة أيام بلياليها على ظهور المطايا؛ أي الإبل، وكانت كل عائلة تستأجر ما بين 10 – 20 مطية، وبعد أن تكون الأمتعة قد أعدت وحان موعد الرحيل تنطلق القوافل محملة بالنساء والأطفال وأمتعتهم، وتقضي الليلة الأولى في منطقة النخيل قرب (المقطع)، غير مبتعدة كثيراً عن أبوظبي، خشية أن يكون البعض قد نسي شيئاً من احتياجاته، كما لا يبتعدون في اليوم الثاني كثيراً عن منطقة المفرق، حيث يبيتون ليلتهم، وينطلقون في الصباح باتجاه العين، بحيث يصلون عصراً إلى (التفاف)؛ وهي سبخة رملية مزعجة يقطعونها في 3 ساعات متواصلة، ولا يمكن السير فيها إلا في (البراد)، لأنها شديدة الحرارة، ويتجاوزون تلك (السبخة) عند الغروب، حيث تنوخ القافلة حتى صباح اليوم التالي، لتتجه إلى المياهة وأبوذيب. وهكذا من مورد ماء إلى آخر في العديد من المناطق، حتى تصل القافلة بعد ستة أيام على الأقل إلى العين، أو القطارة، أو المعترض، أو الهيلي، أو الجيمي، مفترقين كلٌّ إلى مقر إقامته، لمدة شهرين إلى ثلاثة أشهر. يبقى أن نشير أيضاً إلى أن قطيعاً كبيراً من الماعز والأبقار تتبع تلك القوافل في طريق رحلتها من وإلى العين، وهي ملك للعائلات المصطافة، ويقودها رعاة من الخدم أو الفتيان الصغار أو أحد الجمالين، وكلما استقرت القافلة عند مورد ماء لتقضي الليل يصلها أولئك الرعاة مع القطعان بعد ساعة أو اثنتين”.
تلك عن رحلات العين، أما رحلات الاصطياف في ليوا فكانت تتم من أبوظبي إلى (مغيرة) أو (المرفأ) أو غيرها من الموانئ القريبة إلى ليوا، بوساطة السفن الشراعية الصغيرة، ولقد اشتهر بهذه المهمة لسنوات طويلة رجل يسمى (مرقع)، وكان يمتلك عدة سفن تعمل على الخط بين أبوظبي والمرفأ أو مغيرة، وكان القليل من الرجال أصحاب السفن الشراعية يتولون نقل عائلاتهم بأنفسهم.
لكن الطريق من تلك الموانئ وحتى محاضر ليوا، لم يكن قريباً أو سهلاً، بل كان يستغرق سبعة أيام من السير على ظهور الجمال. فما إن تصل السفن بالعائلات المصطافة إلى المرفأ مثلاً، حتى تجد بانتظارها قوافل الجمال حسب الاتفاق المسبق مع الجمالين، للالتقاء في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني، ومن هناك تنطلق القوافل مروراً على موارد المياه التي يعرف مواقعها الجمالون، حتى يصلوا بعد 7 أيام إلى محاضر ليوا، وتفترق العائلات كل إلى مقر إقامتها المعتاد حتى يحين موعد العودة بعد شهرين أو ثلاثة شهور، وفي طريق العودة تستقر بعض العائلات في بعض الجزر لتقضي الشتاء، كما كان يصل محضر ليوا نسبة كبيرة من أهالي جزيرة دلما للاصطياف”.

 

نقلا عن مجلة تراث

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

«طرف الحبل» نص لـ «أمينة حسن»

نص: أمينة حسن             يمكنك أن تتدلى من أقصي طرف …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend