الرئيسية / شِعر / سعيد السوقايلي يكتب: «عودة آدم » وشعرية التأبين، للشاعر عبد الرحيم الخصار

سعيد السوقايلي يكتب: «عودة آدم » وشعرية التأبين، للشاعر عبد الرحيم الخصار

بقلم: سعيد السوقايلي

إن ما يجعل الشعر جميلا ومدهشا هو تحويل المستحيل إلى الممكن ولو فنيا، إذ أنه عابر للعقل والمنطق والزمن. من هنا يمكن اعتبار رجوع أبونا آدم إلى الحياة أمرا مدهشا وخارقا، رجوع صارخ ملء الندم والعتاب على الفداحات التي يقترفها أبناؤه على الأرض… لهذه الأسباب الفنية ولغيرها من دواع موضوعية تكشف عن سيرة البشرية الملطخة بالدم والظلم والألم، يطل علينا الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار بديوان خامس “عودة آدم” عن منشورات المتوسط بإيطاليا / 2018، وهو عبارة عن نص مقطعي طويل (69 ص).

فنيا يمكن القول أن الشاعر قد زاوج فيه بين قصيدة السيرة وقصيدة النثر وقصيدة السرد وقصيدة الومضة، متمسكا بلغة شعرية شفيفة المعجم، وبإيقاعية خفيفة دون كلفة تذكر، هو رهان عميق وبعيد، إذ تكيَّفت فيه عناصر فنية واسلوبية ودلالية ليقدم لنا بذلك نصا شعريا مغايرا لِما ألفناه في شعرياته السابقة التي لملم فيها ذكرياته وتفاصيل حياته. فعودة آدم نص المفارقة والمغايرة، وأقصد هنا مفارقة الشخصية، حيث استحضر فيه أب البشرية؛ بداهة يستحيل ذلك، ولكنه استدعاء فني افتراضي عبر الشعر، تلك هي المفارقة التي يسعى من خلالها أن يكون الأب المسؤول الأول عن ذريته شاهدا ومعاتبا ومؤبنا للأفعال البشرية قبيل زوال الحياة ( إلى أين تمضي أيها العالم/ وأنا الأب لكل هذا الأبد) ص48.

إضافة إلى ذلك فهو نص المغايرة والاشتغال الفني المتعدد الجوانب، فهو سيرة شعرية تسلط الضوء وتصف مسار البشرية بمواقفها وأفعالها وما يعتمل في حياة الآدميين بعد آدم مباشرة إلى الحدود الراهنة من فضاعات وجرائم وأخطاء إنسانية جسيمة، حيث جعل الشاعر الأبَ آدمَ يسيح عبر التاريخ البشري الطويل مستنكرا ونادما وملولا وراثيا في ما يشبه التأبين الأخير، لكنه تأبين مغاير لا يشيد ولا ينوه، بل يلوم ويعاتب ( كأن يدا امتدت إلى قلبي/ وأضافت إلى ناره نيرانا أخرى/ كأن ضوءا مرق من أمامي / وخلف ركاما من الشظايا./ ما أراه الآن لم يكن ليُرى/ وما أسمعه هو رنين كلمات/ كنت أجهلها.) ص23، إنه يقف على رأس الحياة رافعا يديه عاليا معلنا عن نهايتها ( سيطوي الزمن هذه الحياة سريعا/ ويضعها في صندوق) ص19.

وكثيرة هي المقاطع التي تكشف عن هذا الوضع.. أيضا نص “عودة آدم” يتوسل بالسرد وإمكاناته في الوصف والحكي وملاحقة الأفعال والأحداث مشفوعا بلغة شعرية تبوثق داخلها جماليات الشعر وصوره وإيقاعاته؛ ودون أن نغفل انشغاله أيضا بقصيدة النثر وتوتراتها النثرية داخل المقول الشعري، حيث بعض المقاطع تؤالف بين المفردات والصور والتراكيب وبين اللحظات الإنسانية المرصودة لتؤسس نصا شعريا يفكك ما تماسك واقعيا، ويؤالف بين ما تفكك تخييليا ( ما زالت رائحة التراب في أنفي/ الحسرة أهرشها/ ما بين الساعد والكتف/ أما عيناي فيسيل منهما/ حنيني إلى الملائكة) ص11. نضيف إلى ذلك اشتغاله في مواضع أخرى على شعرية الإيماض كمعادل على مقول شعري عابر ومختزل لا يخلو أيضا من متع الصور الخاطفة المكتنزة والإيقاعية المتناسقة. لقد استدعى نص ” عودة آدم” وعلى لسان آدم نفسه كراو شعري، إن جاز ذلك، أبطال البشرية وعبيدها، عقلاءها ومجانينها، حكماءها ومجرميها، رسلها وأنبياءها ورهبانها، وعلماءها ورعاعها… مستعرضا إياهم، في ما يشبه السيرة والمحاكمة والمحاسبة وفق طابور بشري طويل يجترح دلالاته من أكثر من مرجع: ديني، سياسي، علمي، فلسفي، أدبي… كما لو أنه يعلن عليهم قيامة أرضية، وكله دهشة واستنكار وحسرة وألم وبكاء ( وأبكاني التراب على خد طفل/ أخرجوه ليلا من تحت الحطام/ أبكتني النيران/ التي ترعب ليل العالم/ المدرعات التي تدوس الحشائش والبشر/ رصاصات الغدر/ ورصاصات الوفاء/ السكاكين التي تحز الأعناق/ بلا سبب)ص39.

وتسترسل المقاطع باسترسال فضاعات البشرية وآدم ينتقل بين الناس والحجر والأزمنة والمواقف الحرجة طولا وعرضا، يتنقل بين مقاطع النص الطويل واصفا وشاهدا على عصور تلونت بالأحمر، لذلك جاءت لغة النص معجونة بالألم والخيبة حتى شبه آدم نفسه بالمذنب الأول والأخير نيابة عن ذريته ( كما لو أني أمام راهب/ أدلي باعترافي الأخير) ص59. وفي سياق أخر، وعبر مقاطع كثيرة، نجد أن آدم لم يعجب بما حقق أحفاده من إمكانات حياتية مريحة، واختراعات مدهشة، واكتشافات مخبأة، وإنما وهو العارف بالحقيقة المرة، حز في نفسه أن يحيد ورثته عن جادة الشرط الإنساني المفترض والمجبول على الخير والعدل ومحبة الله والجمال، لذلك يسائل مستنكرا عقلاء البشرية وغرماءهم على مر الزمن، كيف أنهم لم يتعظوا من خطيئته الأولى بعدما خذلته تفاحة وأفقدته المطلق، وشل الندم قدميه، وكيف أنهم لم ينتبهوا إلى موطئ نظرته الحقة، فأداروا ظهورهم عنه جهلا، لذلك جاءهم مذكرا بأن ( هذه الأرض/ ربما كانت عقابا/ ربما كانت غنيمة حرب، لم أخضها/ هذه الأرض ستشيخ/ وستغادر مكانها يوما ما.) ص17.
” عودة آدم ” عمل شعري أشبه بملحمة حديثة، لن تنتهي ما دامت الحياة تدب بقدم عرجاء نحو تحقيق بطولة ممسوخة جهلا وسفاحا؛ تلك هي إذن نظرة الشاعر عبد الرحيم الخصار كبيان إنذاري أخير لبني البشر، ربما هي عودة منه لقدرة الشعر على تقويم وتوجيه العالم، ما دام أنه اشتكى قرف العالم لأب العالم.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

بقلم: محسن البلاسي الظل المحمول حياة فاترةٌ في عين الشائخين مؤلمةٌ في عين الموتى ومحتلـّو …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend