الرئيسية / مقالات / سارة البدري تكتب: «القارئ الأناني».. مأساة الكاتب
alqaree alanany

سارة البدري تكتب: «القارئ الأناني».. مأساة الكاتب

بقلم: سارة البدري

الكتاب بشر يختلفون فيما بينهم، لكنهم يتشابهون في خواطر خاصة لا يشعر بها سوى شخص يظن نفسه مبدعا، ويظن أنه قادر على مخاطبة الناس من خلال إبداعه هذا. ونحن هنا سنطرح خواطر أغلبها تساؤلات بلا إجابة، مجتهدين تماما في توصيل المشاعر المرتبكة والحيرة البالغة التي جعلت هناك مأساة للكاتب المعاصر، أكثر مما سنحاول الإجابة.

ينسى معظم الناس أن الكاتب لابد وكان قارئا ذات يوم، أقصد قارئ فقط! وينسى الكثير أنه يظل قارئا حتى يموت. لذلك فأي كاتب يتكلم عن القراء لا يقصد بالضروره جمهوره، بل قد يقصد -كما في حالتي الآن- القارئ بوجه عام، ويقوم بتضمين نفسه منهم.
كنت -ولازلت- أرى أن عيبا قاتلا يكبر بين القراء المعاصرين، وهو أن يكون القارئ أنانيا، بمعنى أن يحاسب الكاتب عما ليس له!
(ازاي؟)
إجمالا تنحصر آراء القراء في أي عمل بين أمرين: أعجبه أو لم يعجبه. تتفاوت الدرجات والأسباب داخل الأمرين لكن لا خروج عنهما.
وأنا بما أني قارئة منذ الإعدادية، فقد أعجبتني أشياء وفتنت بأشياء، وضقت بأشياء واستسفهت أشياء أخرى، لكني لم يخطر ببالي أبدا أن تصل بي الأنانية أن أتدخل في أحداث النص! وأن أعطي نفسي الحق في أن أغير في رؤية الكاتب.
ليس في بناء النص، وليس في عمقه من سطحيته، وليس في لغته المعقدة أو تفاهتها، أو جمال الأسلوب من رداءته وملله. بل في الفكر والرؤية!
الفرق بيني وبينك غالبا -وبغض النظر عن الشكل- هو الفرق بين رؤيتي ورؤيتك. يكتب الكاتب ما يراه، قد تنتقد الفعل كقارئ وقد تقتنع به، قد يفاجئك وقد تتعلم منه، لكنك لا يمكنك أن تعدل عليه ولا يمكنك أن تقترح أقدارا تناسب هواك، هنا أنت لم تنس فقط أن هناك عشرات القراء كل يملك رؤيا تخصه، بل نسيت أن الكاتب له كيان خاص به، وسبب وراء كتابته، ومعنى قد تصيبه أنت وقد لا تفعل.
مع الوقت بدأت أشعر أن القارئ لا يفهم بالضبط طبيعة استحسانه أو عدمه لكاتب أو لنص. كأن يرفض رجل رؤية عروس لأنها لا تحب السبانخ! فين أخلاقها؟ شكلها؟ أهلها؟ مالك انت ومال السبانخ؟
لأنني بدأت أسمع تعليقات ترى مرة نهاية مختلفة ( النهاية من أهم ما يرمي إليه الكاتب ويهدفه من نصه)، مرة رد فعل مختلف لبطل ما، داخل موقف ما، في نسيج الحدوتة، تعليقات تشعر معها أن المضمون العام مات! أن الفكرة الرئيسية تفتتت لعناصر أفقدتها تماسكها ومعناها.
وزاد ضيقي. لكن ما حدث، أني اكتشفت أن القارئ الأناني أرحم كثيرا من (موضة) أجد منه هي القارئ النجم!
بعد ولوج مفهوم الكاتب النجم لساحة الوسط الأدبي، وقف القارئ حائرا -إلا من رحم ربي- فهو يرى أنه يملك قدر من الثقافة نتاج قراءاته، وهو ليس أقل من الكاتب الذي يقرأ له في شيء بل ربما بالعكس، فلماذا لا يستطيع أن يصبح نجما هو الآخر؟ في عصر انفتاح اجتماعي متوحش؟ وهنا لجأ القارئ لأحد أمرين.. أن يكتب هو الآخر فيصبح كاتبا، ويخرج من عباءة القراء العاديين. فماذا إن لم يكن هناك قدر من الموهبة التي تؤهله للكتابة؟ حتى بعد تجاوز الكثير من الحواجز في عصرنا هذا مثل اللغة الفصحى، والبلاغة، والثقافة الحقيقية.. فكر القارئ كثيرا في هذا المأزق، وكالعادة وجد أحدهم حلا رآه رائعا كان به أول من أشعل الفتيل، وانطلق نجم القارئ الذي قرأ كثيرا ونشر آراءه “الهامة”، وأصبحت له قائمة كانت خاصة وتحولت عامة ينتظرها جمهوره مصدقا تفضيلاته، وترجيحاته، دون تفكير! حتى بدأ بعض الكتاب في استرضائه والتقرب إليه، طمعا في رضاه ورواجهم داخل صفحته وداخل عصر الfacebook. والمشكلة ليست في هؤلاء المساكين، الكاتب صاحب القلم الحقيقي لا يرى أمامه سوى فكره. المشكلة وصلت ببعض القراء النجوم، أنهم صدقوا من بواطنهم وليس فقط أمام جمهورهم، أنهم قادرين تماما على الحكم الصحيح، بالجيد والرديء! قادرين على إقصاء هذا العمل، وإبقاء ذاك!
نسوا أنهم مهما قرأوا ومهما بلغت حكمتهم، هم في النهاية بشر ولهم قناعات شخصية وآراء تخص تكوينهم الفكري والشعوري فقط، تحكم آراءهم رضوا أم أبوا، وأن الفن وإن كان يحتمل درجات من الجودة والرداءة، فهو لا يحتمل الخطأ، والصواب وليس هناك مطلق.. أبدا!
وأنت إذا فكرت جيدا في القارئ النجم، ستفاجأ بشيء غريب.. أنه أيضا قارئ أناني بشكل ما،، فقد فضل نجوميته المرادة على مصلحة الأدب، وجودة المنظومة الأدبية. تلك المنظومة الناقصة المسكينة، المنظومة التي من المفترض أن تتكون من قارئ وكاتب وناقد، لو قام كل منهم بدوره الحقيقي، رافعا جودة النص الأدبي، ومصلحة الأدب العربي على أي اعتبار آخر،، لما كان حالنا هكذا اليوم..
القارئ الأناني بكل أشكاله، جزء حيوي من مأساة الكاتب، فهل هناك حل لإصلاح هذا الخلل؟

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend