التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

مروة سمير تكتب: «سيدة الزمالك».. ووطن يبحث عن هوية.

بقلم: مروة سمير

في غلاف جميل جذاب صدرت رواية «سيدة الزمالك» أحدث أعمال الكاتب الكبير أشرف العشماوي عن الدار المصرية اللبنانية، لتكتشف خلال القراءة أن حالة الجمال مستمرة ومتوهجة داخل العمل.
عبر نص أدبي متماسك وثري، ترى رحلة وطن بمراحله المختلفة، وجاء اختيار منطقة الزمالك موفقا جدًا ليكون إنعكاس لتغيرات متعددة مرت بها البلاد، بداية من العهد الملكي حتى العصر الحديث، والإنتقال من مرحلة الرُقي بما شابهُ من سلطة واستعلاء، إلى مراحل أخرى متدهورة تغيرت فيها الوجوه مع سلطة أعنف وطغيان مستمر.
نرى الحكاية بعيون خمسة أشخاص، لكن منهم حكاية صعود ودرجات من الانحدار، تتشابك حكاياتهم وتكتشفها رويدًا مع كل منهم لتتجمع الخطوط، فتبصر كقاريء ما لم يبصروه هم مجتمعون، وتستمتع بجمال الحبكة.
الشخصيات جاءت مرسومة ببراعة، حيّة ثرية ومختلفة.
عباس المحلاوي، المجرم الانتهازي الذي يسلك كل السبل المتاحة لتكوين ثروة بعد اشتراكه في جريمة سرقة ومقتل شيكوريل، ويبدأ لغز فيلا قلب النخلة، التي تتوالى فصول أحداثها بسرعة أمامك، فتدرك أن العمل أكبر بكثير من قصة مشوقة أو جريمة غامضة.
عباس المتلون الموالي لكل العصور، يعكس طبقات حية ومؤثرة في المجتمع، ولا يهزمه إلا القدر فيسلب منه أحب الناس إليه. ويقرر في مقامرة أخيرة أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد ويعيد لعبة الكنز المفقود.
“فأنا لن أترك ثروتي لأغبياء كسالى من بعدي ينعمون بها بسهولة، لابد وأن يتعبوا ويفكروا مثلما فكرت وتعبت، الذكي منهم فقط سيحصل على نصبب الأسد بعدما يحل رموز الخريطة. أنا لم أحب في حياتي إلا لعبة الذكاء ولا أجيد غيرها على ما أظن.”
زينب المحلاوي، من أبدع شخصيات العمل، نموذج آخر انتهازي جشع، يمثل شريحة عريضة من فساد رجال الأعمال، واستغلال النفوذ، وأخيرا استغلال التدين الذي راج في عصر الانفتاح كموضة خالية من المضمون.
شخصية ثرية لها ثقل، مكتوبة بحرفية عالية، بمزيج من الجشع والرغبة في الإنتقام ترغب في شراء كل ما تدوسه قدمها في الزمالك، لتثبت لنفسها إنها ليست أقل شأنا من ناسه بل إنها سيدة الزمالك الأولى.
“أشعر أنني المقصودة بتلميحاتهن وغمزاتهن، أكاد أسمع ضربات قلبي وهي تعلو، أخاف أن أطحن ضروسي من فرط كزي عليها، أغادرهن كل مرة لأعود لمملكتي التي بنيتها، أستمتع بما أراه حولي من مبان تسد عين الشمس، أغسل جروحي بكلمات الإطراء والمديح التي لا تخفت أبدًا من أصحاب الدكاكين الصغيرة، أقسم بيني وبين نفسي كل مرة أنني سأصرف آخر قرش معي كي أتملك الزمالك كلها التي تعيش فيها غريماتي، حتى أراهن يوما من التابعات!”
ناديا.. قد تمثل الوطن نفسه.. أو على الأقل الجزء النقي منه الذي يتحكم فيه من لا حق لهم فيستغلونه بقسوة لمصالحهم، مُقيد بإنتماء مزيف، فيتعرض لجميع الانتهاكات، جسدا وروحا، حتى تتوه هويته وتتعرى أصوله.
شخصية كتبت بجمال وذكاء وحس مرهف.
أما طارق، فجزء موجع من المجتمع، يعكس غُربة الشباب في وطنهم، وتلاعب القوى السياسية المختلفة بأحلامهم، يتنقل من هذا لذاك ولا ينال إلا المهانة وتدمير الذات، ينتهي به المطاف في تيار متطرف يتبادلان فقط المصالح والكره، يحاول أن يجد طارق الحقيقي داخله، فيضل الطريق لذاته التي تشوهت.
“كل جماعة انضممت لها ترى نفسها الأحق بالخلافة والأولَى بالاتباع، كلهم على ضلال أو حق لم يعد يعنني الأمر، أنا أريد مالا ققط، أستر به أيامي القادمة من تقلبات الزمن، أريد أن أعيش في سلام.”
وأخيرا مراد الكاشف رمز السلطة الفاسدة المستمر عبر العصور هو ومن بعده ابنه، وكأنها مجرد لعبة كراسي موسيقية، الكرسي هو نفسه، واللاعبين معروفين لا يختلف أحدهم عن الآخر، فكلهم كما قال عباس من نفس المقطف.. كل الأرانب متشابهون الأبيض مثل الأسود مثل الرمادي.
أو كما جاء في الحوار الرائع بين طارق وعادل أن المريض دوما يموت ويرتفع التصفيق من الجهلة والمشعوذين، فيستمر من لا يفقهون شيئا في مناصب لا يستحقونها.
رواية “سيدة الزمالك” عمل كُتب بحرفية مُبدع، وعمق قاضِ مثقف مُطلع، وإحساس إنسان مُحب لبلده، حلل تاريخ الوطن وطبقات المجتمع وتغيراته على مر العصور، متنقلا بين هذا وذاك، فبات مشتت الإنتماء، مفتقد لجذوره.
كل هذا في بناء درامي قوي، يتلاعب بك فينكشف ببساطة ما ظننته لغزا، ويفاجئك بمهارة ما لم تفكر به، فلا يسعك إلا أن تعجب بالعمل، وبتشابك خيوطه التي تمتزح تارة مع الواقع وأخرى مع خيال بحت، وكأن الأمر ليس مجرد البحث عن كنز مفقود، بل عن هوية وطن نُهبت خيراته. فتمسّك الأحداث وتشعر أنها جزء منك؛ عشت تفاصيلها وتأثرت لأحوالها.. فترثى لها.. ولحال السيدة الحقيقية التي تحملت كل هذا.. مصر.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى