التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: أحْبِبْ أحمد خالد توفيق هَوْنًا ما

بقلم: أحمد جاد الكريم

أحمد جاد الكريم

قد يكون موتُ الإنسان كاشفًا للحقائق ومزيلا لكثير مِن الأوهام أكثر من حياته، أتى موت الكاتب أحمد خالد توفيق في بداية شهر أبريل، أبريل الكَذِب، أبريل إماطة الكثير من الأساطير، رحل الرجل فجأة دون أن يعلم محبوه ومريدوه مسبقا بدنو الموت منه وقطف روحه؛ فلم يكتب على جدار الفيس بوك أو توتير أنه مريض الآن ويسألهم الدعاء له بالشفاء لم يكتب مثلا معبرًا عن حالته أنه ذاهب الآن لطبيب القلب الذي يُتابع حالته، مات الرجل، ، فُجع محبوه، وهذا حقهم، ورأى البعض أن الأمر عاديُّ جدًا، وكما يموت الناسُ مات الرجل، قدَّم أدبًا مغايرا في بَدء التسعينات مُوجه لفئة الشباب، دفعهم للقراءة، ربَّى أجيالا على الاطلاع أن يُمسك أحدهم كتابا بحجم الكف في المواصلات وفي المترو، وهو ذاهب إلى مدرسته أو جامعته، تخلَّقت الأسطورة في نفوسهم، كبروا وكبُرت محبة الرجل، ولكن مات الدرويش فنُكب المريدون، وهذا حقهم، تطور الحب إلى درجة أكبر حتى طالبوا أن ينصب الناس- كل الناس – رايات الحزن على الرجل، وكأن الحزن والتوجع فرض عين على كل مثقف، زادتْ المطالب حتى استعر الحزن ونشب المحزونون أظفارهم في وجه الصامتين، والمهاجمين ومتهميهم بالمبالغة، حجم الموضوع أصبح خلال أيام كارثة، حتما سيُقلق هذا الأمر ويحزن أحمد خالد توفيق لو شهد ما يحدث، أن يستعدي محبوه بعضهم البعض كي يسنُّوا أقلامهم بقذف وشتم كل معترض على ما يفعلون، وهذه طبيعة البشر الاختلاف حول البشر؛ ألم يختلف الناس حول الله نفسه فمنهم مَن أنكره ومنهم من آمن به؟ لكن أن يختلف الناس على شخص فيتوجب لمحبيه أن يقيموا محاكمة فورية للمُختلِف، شبكة أولتراس الكاتب بكل أسف لم تتعلم أكبر درس دعا إليه كثيرا طيلة حياته، العيش في هدوء، دون صخب أو ضجيج، كان لا يحب قذارة اللسان، هادئا عفًّا عن الشهرة والمديح المجاني، رفض لقب “العرَّاب” الذي تداوله الأولتراس، وفي حوار مع الصديق الكاتب سامح فايز قال أحمد خالد: “وما زلت لا أبتلع موضوع العراب هذا .. لا أحد أقل من نجيب محفوظ يستحق لقب العرَّاب في رأيي، ما زلت أعتقد أنني لم أتحقق ولم أصل لأفضل أعمالي.. أتعلم مع كل عمل جديد .. وكما يقول عزت الحريري لو رضيتُ.. انتهيت، يخاطب الفنان والثائر طبعًا” درس في التواضع وإعطاء القيمة لمن يستحقها، عاش الرجل في هدوء، لكن دراويشه يصرون على إثارة الغبار والضجيج، شأن كل شيء جميل في مصر يتحول على أيدينا لعبث صبياني، هل يرضى أحمد خالد توفيق أن يكتب أحد هذه العبارة ” هنحط أوسخ جزمة في بق أي كلب هيتطاول عليه أو يفكر بتطاول عليه” مطيحا بكل سبل الأدب في الحوار، وتقبل الآخر، بينما آخر يُقارن بين موته وموت كاتب آخر بحجم جمال الغيطاني، ما الداعي لنبش تراب الموتى، بعد رحيلهم، واستسلامهم لعالمهم الجديد؟ هكذا انقلب المشهد إلى حزن آخر على واقع المثقفين والمُبدعين في مصر، ولا عزاء للقراء الذين يشاهدون كُتَّابهم بهذه الصفاقة وقلة الذوق وطول اللسان، صاحب هذه العبارة – عبارة “أوسخ…”، كاتب وله روايتان، وربما يسعى لتكوين طبقة من الدراويش يضمها لبلاطه متاجرًا بروح الرجل النبيل.

أحْبِبْ أحمد خالد توفيق كما شئت، كلنا أحْببناه إنسانًا متواضعًا وكاتبًا دالا على الطريق في بدئه، أحْببه هونًا ما، وابغض مَن تختلف معهم هونًا ما؛ فالحياة أقصر من أن نتبادل الشتائم والسباب على واقع افتراضي بامتيازٍ.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تحياتى …المقال ممتع جدا ويحرك الفكر لأبعد مدى ولكن المقال لابد ان ينظر له من زاوية أخرى . زاوية محترفو الكتابة مشكلة الحرائق ( هل الصدق مغضبه) … ربما
    انت رأيت موت العراب وكم له من دراويش… ( حق الرجل ) رفضوا ان يقترب اى من كان من المساس به وهو قد مات
    فلو انى لى عراب حى … تجاوز معه صحفى فى موقع ما . . متسلل الى سباب عرابى بقول كاتب … صنع ابليس او صنع شيطان اى كان اسمه … فماذا ترجو منى …
    ان أقف امامك مصفقا … فرحا … وانت منذ لحظات كنت تدافع عرابك بضرب الاخر بالجزمة…. لماذا اختلال الميزان … لك عرابكم …. ولى عرابى … فلا داع للتجاوز … وبث الكراهية …وحعل الابداع عدوا للالتزام ومعرفة الطريقالجاد ولعل التعليق يطير مع الريح فيصل لمن اريد … من يقول بقبول السماح والاختلاف لكنه يريد الفوز دوما بلا اى انتقاد
    ن…

زر الذهاب إلى الأعلى