الرئيسية / إبداع / «تسلية» قصة لـ «أحمد إسماعيل عمر»

«تسلية» قصة لـ «أحمد إسماعيل عمر»

قصة: أحمد إسماعيل عمر

أحمد إسماعيل
أحمد إسماعيل

هنا في الغرفة الواسعة، توجد طاولة قديمة، تقع تحت لمبة تشع في المكان نوراً أبيض، تتدلى من السقف المرتفع، الذى تتقاطع عوارضه الخشبية بالعرض من الحائط للحائط. وبينما كان هو جالساً إلى تلك الطاولة بخمول وفتور، كانت يداه قد أخذت تنشط في توزيع الورق، ثم بتجميعه مرة أخرى.
لم يكن الجو بالخارج شديد البرودة ليرتدى ذلك المعطف الثقيل وليغطى رأسه بطاقية من الصوف ويلف حول رقبته كوفيه. كان مكان تلك الطاولة في وسط الغرفة بمواجهة الداخل من الباب، عارية لا يكسوها مفرش جميل أو حتى خرقة بالية، سطحها أملس ليس به خدوش، فربما يكون هو أول من جلس إليها، حيث كان يتفق لأناس كثر عندما يجلسون وتتملكهم لحظات شرود لا يفتئون ينهمكون بالخدش والكتابة بأى شئ يكون في متناولهم، أو ربما يمكن أن يكون من أتى ليجلس إليها مثله لم يكن معه شئ، كقلم أو مدية أو ربما يكون من أتفق وجلس إليها لم يتملكه الشرود ولو للحظة واحدة. لم يأتى إلى هنا من قبل إلا عندما أقتادوه، بعد أن أمسكوا به أثناء سيره مترنحاً في شوارع وسط المدينة. كان حينها الوقت ليلاً ولم يكن يعلم الوقت بالتحديد. عندها لم يتحدث معهم طويلاً بل لم يتحدث مطلقاً، غير أنه تمتم بألفاظ مبهمة تفوه بها ليعبر عن أستغرابه ودهشته لما يحدث له ثم دفعوا داخل صندوق العربة التى أندفعت كقذيفة تجوب الشوارع الخالية، والتى دفع منها أيضاً حينما أرادوا أن يجعلوه يهبط منه بينما كانت على عينيه غمامة سوداء. كلمات، وصدى كلمات، أجل كلمات فيها عنف وبذاءة. وهو لم يتفوه بكلمة وأن كان شئ مما حدث حرك قلبه بالخوف والفزع كانت الخمر كفيلة تصرفه، فلم يعد الأمر بالنسبة إليه سوى كابوس سيستيقظ منه بعد قليل أو سوء فهم لا يعقبه شئ. في اللحظة التى أدخلوه بتلك الغرفة كان الظلام يطلى كل شئ بلون أسود كالمازوت. حينها لم يفطن لوجود مفتاح اللمبة النيون إلا بعد وقت طويل استغرقه يداه وهى تتحسس الحيطان التى تنشع بالرطوبة وتفوح منها رائحة جيريه. عندها رأى الطاولة فهرع نحوها ليريح جسده على المقعد المجاور لها. بعد مرور وقت لا يعلم إن كان طويلاً أم قصيراً، غير أن ما كان متأكدا منه هو أنه قد غفى لبعض الوقت، على أى وضع، لا يعلم. بعدها أحس بالراحة بعض الشئ وصار منتبهاً ومتيقظاً. فتذكر تفاصيل ما حدث له ولكن بيقين كالحلم. نهض واقفاً من على المقعد متجها نحو الباب، ليحاول أن يسترق السمع ولكن لم يسمع غير الصمت الثقيل. طرق على الباب بلين ثم بعنف حذر. لم يكن هناك شئ تختلج به نفسه أو تضطرب له روحه، فعاد ليجلس وبينما كان يهم بذلك طفق يحدق بعينيه فى كل شئ. لم يستمر في ذلك سوى وقت قصير حتى اعتراه التعب، فعاد إلى الطاولة. عقب ذلك لفت انتباهه عدم وجود شئ يمكن أن يستلقى فوقه إذا غلبه النوم. فهذا يشير إلى أنهم لن يحتجزوه إلا لوقت قصير ثم يطلقوا سراحه. لم يكن يتذكر ما كان يحمله معه حين ألقوا القبض عليه، فهو فى العادة يكون معه هاتفه والمفاتيح وبعض النقود وفى أحيان نادرة ورقة وقلم. عندها وضع يداه بجيوبه فلم يعثر على شئ سوى ورق كوتشينه، فاعترته دهشة لوجودها، هو الذى لم يهتم للعب بتلك الأوراق، التى استطالت فتحولت لغرابة جلبت معها كثير من الأسئلة. لا يتذكر العلاقة التى ربطته باللعب بهذه الأوراق إلا عندما كان صغيرا، فقد كانوا يأتون بمثلها، ولكنها رديئة، وليست متماسكة وناعمة الملمس كتلك. كان ملمسها مغرى وبريقها يضوى بالتماعات خاطفة أثر انعكاس الضوء عليها، فأخذ يحركها كثيراً بين أصابعه النحيلة بعناية، فقد كان مرتبطاً منذ زمن بملمس الورق على اختلاف أنواعه وخاماته، فقد عشق ملمس الكتب وأوراق الصحف والمجلات ورائحة الطباعة التى كانت تعبق بها، حتى حين يكون هناك شئ في عقله يود أن يبوح به فلا يجد سوى الورق، فهو الشئ الوحيد الذى يستطيع أن يصبر على استماع شكواه وغضبه. كان ملمس ورق الكوتشينه الناعم يساعده على توزيعه وتجميعه أكثر من مرة، دون ملل أو كدر يشعر به داخل محبسه هذا، فلم يشغل باله سوى بأنه يود معرفة الوقت، فلا يوجد بصيص نور يأتى إليه من الخارج فلم يكن بالغرفة نافذة ولاشئ يعبر منه الضوء. كما كان هناك شئ آخر يراوده ولكن، هل يستطيع أن يقوم به أم لا..؟ وهو أن يسألهم هل يمكن له أن يحتفظ بالكوتشينة تلك ثم يتراجع بعدما يعرف أنه وجدها في جيب بنطاله ولم يعطيها له أحد منهم. ولكن من المؤكد أنها لم تكن موجودة معه عندما أقتادوه، فمن المفترض أن يكونوا هم من دسوها له ليتسلى بها حتى لا يسبب لهم أزعاج.. بعدما عرفوا أن الملل سيصيبه عاجلا أو آجلا. وهل فى تلك الاوراق الكفايه لدرء الملل..؟ لا بد أن يكون هناك أمر آخر..؟ هو الذى كان يعرف عن أولئك القسوة والعنف…؟ هل انتهجوا أسلوباً آخر غير ذلك..؟ هل غمسوا تلك الأوراق في السم..؟.
كل تلك الأسئلة طافت بذهنه فارتجف، وتعرق، ثم بنظرات قلقة بحث عن صنبور أو إناء ليسغل يديه، فلم يعثر على شئ، ثم جعل يحدق في أطراف أصابعه. لم ينتابه القلق سوى بضع دقائق ثم عاد للعب. وكان بين وقت وآخر يتساءل، هل ما زالت في نفس اليوم الذى أتوا بى فيه أم حل يوم جديد..؟ . ثم مخاطبا نفسه:على كل حال فأنا لم أقترف جرماً ليعاقبونى عليه، على بالصبر فهو مفتاح الفرج، ثم ساخراً: بل مفتاح تلك الغرفة…!. وحين تتوقف يديه المنهمكة بتحريك الورق كان يحدق بعينيه صوب الجهات الأربع حيث حوائط الغرفة العالية، فهى خالية من أى شئ، فالدهان الأزرق لا يخدشه شئ غير الرطوبة التى كونت بقع متفرقة بالأسفل، أما باقى المساحات فكانت كسماء صافية. كان لذلك وقع قوى يثير في نفسه، بأن هذا المكان ليس بسجن كتلك السجون التى سمع عنها وشاهدها في السينما، فمن الممكن أن تكون غرفة للإحتجاز المؤقت فقط. عندها شعر بالإطمئنان وعاد إلى ما كان منهمكا به بينما تدغدغ روحه نشوة مريحة. مضى الوقت كما العادة فلم يشعر بمضيه، فلا يوجد شئ يمكنه من احتساب الوقت، سوى ما يخطر على ذهنه، فهو يحس بطول أو قصر الوقت حينما يتذكر ما مر عليه من خواطر أو بترتيب الأوراق وحركتها التى تصير سلسه وسريعة مع مضى أكثر للوقت. هل لو تركونى أكثر من ذلك ستصير حركاتى أسرع..؟ جائز..! على أن أستغل كل دقيقة في اللعب حتى أكتسب مهارة جديدة. وكان القلق الذى يساوره من أن أسرته سينشغلون لغيابه قد توارى بعدما تأكد من خلال إحساسه لدرجة اليقين أنه سيغادر هذا المكان دون صعوبات تذكر. وكلما كان يتساءل عن سبب الصمت الثقيل المحيط به ينهمك في اللعب أكثر الذى جعل كل شئ هين ويسير، فمهما كان في الأمر سينجلى بهدوء دون أن تكف يداه. حاول أن يتذكر الطريق الذى سلكه معهم حتى وصلوا به لتلك الغرفة، فلم يتذكر وكأنما نبت من أرض تلك الغرفة. لماذا لا أستطيع التوقف عن اللعب..؟ كما صار عقله مشغولا بالتفكير عن طرق اللعب القديمة التى كان يتقنها في صغره. فيما كان يعتره الخوف من دخول أحدهم ليفرج عنه دون أن يشبع رغبته من اللعب. كانت المرات التى استسلم فيها للنوم قليلة، حيث أطول مرة قضاها نائما لم تتجاوز الربع ساعة وهو جالس في مكانه على المقعد، ثم يعاود ما كان عليه، تحريك الورق بشكل عشوائي سريع، ثم بترتيب محسوب، وهكذا دون فتور أو تعب. هل سبقنى أحد كانوا قد جاءوا به لهذا المكان..؟ لا شئ يدل على عن أحداً قد جاء إلى هذا المكان، فالجدران وخشب الطاولة ليس بهم خدش أو حفر يدل على شئ، ولكن إذا كان قد جاءوا بأناس إلى هنا فهل يتسنى لى مقابلة أحدهم في يوم ما..؟ فلعله يكون أحدهم جار أو قريب لى. هل هناك ألعاب أخرى لم أجربها من قبل مثل لعب الورق مثلما أفعل الآن..؟ لا يهم شئ فالمهم أن أحتفظ بالورق. كان الصمت مازال ثقيلا والوقت يمر كما هى عادته، في حين لم يجد شئ يدل على أنه مكث لأكثر من يوم سوى عندما تحسس ذقنه النابته، حيث عندما قبضوا عليه أثناء خروجه من البار كان حليق و مهندم، ولا يفكر فى شئ غير كلمات وجمل متقطعة كان يود أن يلوذ بركن هادئ ينظمها شعراً أو يحكيها سرداً. إلا أن قبضتهم القوية جعلت كل ما كان يشغل عقله يفر بعيداً ولا يبقى غير حذر شديد. كان الصمت الثقيل مازال ماكثاً لا يثقله إلا الشعور المتنامى بداخله، شعور بالخوف من أن يكون هناك غياهب بلا نهاية للظلام فى أتنظاره، أو بأن ينتزعه أحد من لعبه المسلى. وليتخلص من ذلك طفق يفكر فى السير نحو الباب فربما يكون غلقه غير محكم ليفتحه ويهرب وبجيبه الكوتشينة.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

حبيب الصايغ: عودوا إلى الشعر أيها الشعراء

في رسالته إلى الشعراء العرب في يومهم العالمي حبيب الصايغ : عودوا إلى الشعر أيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Send this to a friend