الرئيسية / شباك / آية عبد الرحمن تكتب: السمع حاستي المفضلة

آية عبد الرحمن تكتب: السمع حاستي المفضلة

بقلم: آية عبد الرحمن

عرفت هذا في طفولتي المبكرة، عندما لاحظت تأثري بأصوات لا يعيرها الآخرون اهتمامًا. أتذكر أول فزع في حياتي وأنا دون الرابعة، عندما زعق مؤذن المسجد على ناصية شارعنا فجرًا فاستيقظت مرعوبة، وقالت لي جدتي إن هذا “نداء ربنا”، و”الكفرة وحدهم يكرهونه”. بسبب لهجتها الموبخة قضيت سنوات أكتم ذعري ليلة بعد ليلة.

كنت أستيقظ يوميًّا مع الأذان، أحارب خوفي بالتركيز لأفهم كلماته، لكن مخارج الألفاظ المشوهة تستغلق عليَّ، ثم بدأت أستكشف مقاطع غامضة أخرى لباعة الروبابيكيا والباعة الجائلين. دوامة الصخب تلك كانت أول ما أثار عقلي الصغير، ثم تعديتها لأصوات الطبيعة الخافتة حولنا، صياح الديكة صباحًا، وانهمار المطر شتاءً، وصوت مجداف المعدية التي أركبها يوميًّا وهو يفلق صفحة النهر للحظات، ثم صوت البحر في الصيف.

كبرت قليلًا واكتشفت إذاعة الموسيقى بوله، خصوصًا فقرة الموسيقى الخفيفة منذ منتصف الليل وحتى التاسعة صباحًا، والموسيقى الكلاسيكية عصرًا ومساءً. كنت محل استغراب عائلتي لأني أسمع “دوشة” لا تقول شيئًا، ليس فيها كلمات فتغدو أغاني تثير مختلف الانفعالات، وليس بها من صخب الإيقاع الشرقي ما يجذب الأسماع. رغم هذا فإنني ارتبطت بالموسيقى ارتباطًا وثيقًا، أحببت خفتها، وأنها تفتح لي الخيال على مصاريعه، فأتخيل أسطورة لكل مقطوعة، وتزامنَ هذا مع بَدء تركيزي في القراءة. كانت طفولتي سيئة، لكنني -أزعم- عشت جمالًا لم يختبره أحد بعد تزاوج الموسيقى والكلمة في رأسي.

صاغت طفولتي المُفعمة بالموسيقى والأغاني اكتشافي للمشاعر، وكما أفزعني أذان الفجر، تسببت أغنية أمومية في بكائي المتأثر الأول إذ أشعرتني بيُتم مَقيت رغم وجود أمي، كما حملت لي الأغاني أول خيبة أمل أتذكرها على الإطلاق، عندما قال الراديو إن أم كلثوم ستغني بعد قليل “ألف ليلة وليلة”، فجمح بي خيالي يرسم ما ستحكيه ثومة عن الجن والبساط السحري وشهرزاد، ثم انقضت افتتاحية بليغ العظيمة لتهوي أحلامي من علٍ وملأني خذلان مرير، ناصبت إثره “الست” العداء أعوامًا.

لم تكن تجاربي الأولى كلها مُحزنة، فقد تلقفتني الأغاني لتغير بنية عقلي مبكرًا، وكان تفاعلي معها بداية لاكتساب حساسيتي اللغوية الفائقة، وأذكر شعوري الغامض بالنفور من جمل شعرية وموسيقية بعينها، وهو ما سأترجمه حين أكبر إلى “انعدام منطق الكلمات” حينًا، ورسمها صورةً لا أستسيغها أو أستقبحها حينًا، والجمل الموسيقية المسروقة/المتشابهة التي تجعل استماعي للأغنية فقرة من عذاب الديجافو، حينًا آخر. في طفولتي تصورت بكل براءة أن الكلمات تفرض لحنًا يستعمله الجميع بشكل متشابه في باطنه وإن اختلف ظاهريًّا، وحين بدأت أكتب وأستشعر في نفسي أديبة مستقبلية، خططت أنني حين أكبر سأعد بحثًا أفرز فيه أنواع الألحان المناسبة لكل كلمة، وأحصر كل جملة موسيقية تشبه الأخرى على مر التاريخ!

اختلفت الأصوات التي تشكل عالمي في مراهقتي، بعد هوجة تشدد ديني ألمَّت بي، فبدأت حقبة القرآن بقُرَّاء السعودية، ثم أمضيت زمنًا مع مشاري العفاسي، حتى توقفت عن سماعه لأن افتتاني بصوته غلب افتتاني بما يقرأ! بعد فترة هُديت إلى أن “قُرئ القرآن بمصر”، فوقعت في غرام المدرسة المصرية للقرآن، ووجدت قبلة روحي في صوت الشيخ الحُصري.

تمنحني الموسيقى سكينة ودهشة لازمتين لتحمل عبء الوجود، وتشكل جدار حماية عالٍ يحجب عني قبح العالم، سواء أكان هذا القبح صوت مؤذن جحش كالذي صنع فزعي الأول، أو عبارات وقحة يلاحقني بها المتحرشون في الشوارع، أو جيران أوغاد لا يحترمون مساحتي أو أفراح منحطة تهدر حتى الفجر، فتمزق غلظتها مخي. تبقى موسيقاي حامية في كل الأحوال.

في كتابتي، تقدم لي الموسيقى هدوءًا مغريًا بالتركيز، وتوحدًا مع حالةٍ بعينها، وربما يخلق إيقاعها الحالة التي أكتبها، فأستمع للـTrack نفسه طوال فترة الكتابة، ناهيك عن الأغاني التي أهدتني دراسات دقيقة لتفاصيل المجتمع وتركيبة أشخاصه، وألهمتني بشخصيات ثرية، كما الأغاني الشعبية والمهرجانات.

تتغير موسيقاي مع تبدُّل الفصول، ولي أغانٍ أسمعها صيفًا فقط وأخرى للشتاء، وموسيقى أسمعها في فترات معينة من النهار، وموسيقى تخص طعامًا بعينه أو كتابًا بعينه، ولدي مكتبة من الأصوات الطبيعية والضوضاء البيضاء.. يدهشني أن أكتشف الآن فقط كم تتغلغل في حياتي!

مع هذا لا تسير علاقتي بالأصوات كلها بنفس السلاسة التي أنعم بها مع الموسيقى والقرآن وأصوات الطبيعة. في مصر أعيش انتهاكًا سمعيًّا مستمرًا، ومع حدة سمعي أقضي كثيرًا من وقتي محتمية بسدادات الأذن، أغرق بالساعات في عالمٍ صامت ثم أستفيق وأتعاطى مقطوعة تمنحني شعورًا أحتاجه. وعندما يصدمني المؤذن بجاعورته أفتح يوتيوب لينقذني أذان الفجر بصوت محمد محسن، والذي داوى جرح الطفولة جزئيًّا، ووهبني لحظات سكينة وخشوع ثمينة في غيابة الليل.

أودُّ لو يدرك العالم كم تؤثر عليه الأصوات، وأن لا شيء يستحق كل هذا القدر من الصراخ والقبح، وأصوات الكلاكسات، وميكروفونات المساجد، وأن الهدوء يرعى الإنسانية، فلا تحيد عن الترفق بالآخر واحترام وهنه.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

سارة البدري تكتب: مأساة الكاتب.. «المفروض»!

بقلم: سارة البدري     قلت قبلا إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend