الرئيسية / شباك / أحمد القرملاوي يكتب: استمع لموسيقاك الداخلية

أحمد القرملاوي يكتب: استمع لموسيقاك الداخلية

بقلم: أحمد القرملاوي

أحمد القرملاوي

أتساءل بين الحين والآخر، كما يسألني البعض، عن منبع الكتابة؛ من أين يواتي الكاتب ما يقوم بتدوينه على الورق؟ هل هو الإلهام، الأحلام، التساؤلات، القراءات، المعرفة، الخبرات؟ هو مزيج من كل ذلك دون شك، لكن يبقى الوقوف على المصدر الأهم، النبع الأول، ولو سئلتُ عن ذلك لقلت: هو السماع.
فالكاتب أذن تُنصت، وعين تُراقب، وعقل يتدبَّر، فيما تبقى الأذن التي تُنصت أهم محرِّكات الكتابة على الإطلاق، فهي مصدر الأفكار والمعارف، كما أنها بوابة الولوج لخلجات نفس الكاتب والأسئلة التي تؤرِّقه.
التقيتُ يومًا بأحد أساتذتي في الكتابة، الأديب عادل عصمت، مع عدد من الأصدقاء. سأله البعض كيف تُمسك بالأفكار التي تكتبها، فقال ما معناه: أسمتع لصوتي الداخلي، فللكاتب صوتٌ داخلي يُحدِّثه، يطرح عليه أسئلةً تؤرقه، يذكِّره بخبرات تُزعجه، يوسوس إليه بنوازع تقلقه.. هذا الصوت الداخلي هو المصدر الأهم لما يمكن كتابته بشغف صادق، وبذاتية لا يمكن استنساخها.
أما الأصوات الخارجية، فشأنها لا يقل أهمية، فلكتابة الأدب لغةٌ فنية، تميزه عما دونه من صنوف الكتابة، وكثيرًا ما يُنصَح كُتّاب السرد بقراءة الشعر، وهي ليست قراءة على النحو المتعارف عليه، بل سماع، فللشعر جرس وإيقاع يُشكِّل أداته الفنية الأهم، فضلًا عن الخيال والمجاز والصورة الشعرية، وحين نقرأ الشعر نتسمَّع أبياته سرًّا فنستشعر جرسها ونطرب لإيقاعها، وهكذا السرد حين يُتقن الكاتب إيقاعه الداخلي، فيصير للجملة موسيقى خافتة لا تُخطئها أذن القارئ الشغوف.
ومن تجربتي الشخصية، يمكنني القول أن سماع الموسيقى ركنٌ ركين في تجربتي الإبداعية، فأنا أسمع الموسيقى بصفة يومية، وأعزف آلة العود من عمر الطفولة، ولي بعد كل عبارة أدوِّنها وقفة لاستشعار إيقاعها وموسيقاها التي تربط بينها وبين عبارة تسبقها وأخرى ستلحق بها، وهكذا أكتب الفقرة تلو الفقرة، والفصل وراء الفصل، لألتقط النفس وأتبين السلاسة ثم أستكمل الطريق، أو أُعيد الكَرَّة من حيث استشعرتُ الخلل، كما أن لسماع القرآن من قرائه الموهوبين ذات الأثر، وقد يفوق الموسيقى البحتة إيقاعًا وعذوبة، فيكفيك أن تمنح أذنك للمبدع مصطفى إسماعيل، أو الرصين محمود الحصري، أو الفارق محمد صديق المنشاوي، أو من استطاع المزج بين جماليات الأداء عن هؤلاء جميعًا محمود الشحات، كي يستقر في وجدانك إيقاع الكلمات ويعطيك مفتاحًا غير قابل للصدأ لسلاسة السرد وحُسن نظم المفردات.
أما السماع المضاد، الذي قد يؤثّر سلبًا على الكاتب، فلا أتصوَّر وجوده على الإطلاق. فبإمكان الكاتب الموهوب أن يستمع لأي شيء، وكل شيء، فيقع على ما فيه من جمال خالص. أما في أثناء التدوين، فلكل كاتب طقوسه المستمدة من عاداته وذاتيته، فالبعض يصعب عليه التركيز في وجود ضوضاء- أنا من هؤلاء- فيلجأ لمكان هادئ يمنحه الأجواء التي توائمه، والبعض الآخر يستمد الحافز من وجود المحيطين، ولا يجد مانعًا للكتابة في المقهى أو بين جمع من الناس. هذه تفاصيل ترسمها العادة والقدرات الذاتية، فيما تبقى القاعدة العامة هي الاستماع للعالم الخارجي والصوت الداخلي على السواء، سماعًا يُعزز من قيمته التأمل والبحث، كما التساؤل والاندهاش.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

سارة البدري تكتب: مأساة الكاتب.. «المفروض»!

بقلم: سارة البدري     قلت قبلا إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend