الرئيسية / شباك / أحمد جاد الكريم يكتب: طيران في سماء الروح

أحمد جاد الكريم يكتب: طيران في سماء الروح

بقلم: أحمد جاد الكريم

أحمد جاد الكريم

ما تسرب من قبضة النسيان، ما أفلت من فك الزمن، ورسخ في الذاكرة عصيًا على الفناء التام كان عدة أصوات عبرت من الطفولة واستقرت في الوجدان لا تبرحه، كانت الإذاعة أول صوت مختلف عن أصوات الأهل يغزو عالم الطفولة، تلون كل وقت بهيئة؛ للصباح نكهة وللمساء نكهة أخرى، حتى النوم وانقطاع كل صوت، له لونه الخاص.
عن الإذاعة ذلك العشق القديم الذي استولى عليَّ قبل غزو الآلات المستهلكة للروح والجسد معا؛ الأطباق التي تعلو أسطح المنازل جالبة آلاف القنوات الفضائية، الأسلاك الموصلة للإنترنت وشبكات الواي فاي؛ ذلك الزخم الذي يؤطر الحياة ليأكل من أعمارنا وينأى بنا بعيدا عما يحقق الصفاء والهدوء والسلام مع النفس.
لإذاعة البرنامج العام مذاق خاص في ليالي رمضان، في سنوات الطفولة كان رمضان يأتي في فصل الشتاء حيث يطول الليل ويُلتمس الدفء عبر ذبذبات الراديو التي لا تهدأ، وتمتد سهرات الإذاعة ساعات طوال، أذكر أول تعلق لي بالراديو كان ذلك قبل التحاقي بالمدرسة الابتدائية؛ راديو صغير لونه بنيّ أهداه لنا عمي في نهاية الثمانينيات، صار تعلقي به شديدا حَدّ اصطحابه في كل مكان أذهب إليه، كان له حقيبة تحمل ذات اللون، بلاستيكية، بها ثقوب عند موضع السماعة تسمح بخروج الصوت، للحقيبة حزام يمتد منها ليعلق في الكتف، ببطاريات صغيرة الحجم يعمل، لا أذكر ما كنت أستمع إليه في تلك الفترة، اُنتزع مني هذه الجهاز الأثير وامتدت حسراتي على رحيله عني.
التعلق الثاني بالإذاعة كان في أواخر العام الثامن والتسعين وتسعمائة وألف، تحديدا كنت في الصف الثالث الإعدادي، راديو آخر كبير، مضبوط علي إذاعة البرنامج العام، الوقت ليل والبرد قاسٍ، على منضدة أستذكر دروسي وهناك في مكان قريب مني يسمح ليدي كي تمتد لتعدل المؤشر فلا يغيب الصوت ويتداخل مع محطات أخرى.
من البرامج التي علقت في الذاكرة برنامج المسحراتي، أتذكر الساعة الثانية إلا الثلث صباحا بعد انتهاء نشرة الأخبار ينطلق صوت جلال معوض “من كلمات فؤاد حداد لحن وأداء سيد مكاوي تستمعون إلى المسحراتي” ثم االنقرات المتتالية علي الطبلة ثم يأتي صوت سيد مكاوي
برنامج آخر اسمه “أولو العزم من الرسل” وبرنامج “عصر من الغناء مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم”، يذيع أغنية لأم كلثوم يوميا.
أعتقد أن برامج رمضانية أخرى تسربت من الذاكرة عبر تلك السنوات الفاصلة التي استطاعت أن تمحو وتثبت ما تشاء. هذا الراديو الكبير أصابه عطب فصار لا يعمل وبعد محاولات فاشلة لإصلاحه صار أخرسا لا ينطق، ثم اختفى من المنزل ولا أدري أين ذهب.
ثمة أجهزة أخري اشتريتها طوتها عباءة الاختفاء منها راديو علي هيئة الهاتف اللاسلكي اشتريته في الصف الثاني الثانوي، أيضا مع بدايات دخولي الجامعة كان في حقيبتي- لا يغادرها- راديو صغير بحجم كف اليد، جميع هذه الأجهزة صارت إلى الفناء بعد سنوات عدة كانت هي الرفيق الملازم في الحِل والترحال، حتي أصبح اليوم لا يوجد في منزلنا جهاز راديو، قديما حرصت عند شرائي للهاتف المحمول أن يكون مزودا بجهاز ترانزستور بغضِّ النظر عن أي مَزِيّةٍ أخري وجدت أم عُدمت، المهم أن يكون به راديو أستطيع أن أستمع له في أي وقت وفي أي مكان.
هذه كانت أصوات الطفولة الراسخة حتى الآن، تعلقتُ بإذاعة البرنامج الموسيقي ليلا، وقد توقف بثها في الصعيد منذ سنوات، لتحل محلها إذاعات أكثر رواجا، تعلقت فترة بإذاعة الأغاني، بعد ذلك توقف السماع للراديو أو قلَّ، ما بقي هو حرصي على سماع القراء المصريين القدامى، أحب أن يبدأ اليوم بصوت الشيخ رفعت. أحب صوت فيروز في الصباح، وأم كلثوم في المساء.
مساحات الفراغ التي تحتاج لأن تملأ يطيب لي فيها السماع للطبيعة، اتبعت وصفة بابلو نيرودا، أستمع لزقزات العصافير بعد الفجر، لهديل الحمام قرب الضحى، أصوات ما قبل المغرب، وصياح ديكة الفجر، في القرية أعود بذاكرتي إلى صوت ماكينات الماء في الغيطان التي كنت أسمعها قديما، هدوء لا يقطعه إلا ذلك الصوت المخيف الذي يشرخ الليل.
كل الأصوات تنأى، كلها تبتعد، لكن في لحظة تعود كطائر مغرد في السماء يُعلن عن نفسه أنه لم يهلك بعد مثل مالك الحزين الذي يحترق، ومن رماد احتراقه ينمو، ليواصل رحلة طيرانه في أروقة الروح.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

سارة البدري تكتب: مأساة الكاتب.. «المفروض»!

بقلم: سارة البدري     قلت قبلا إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend