الرئيسية / شباك / أريج جمال تكتب: إذاعة القرآن الكريم

أريج جمال تكتب: إذاعة القرآن الكريم

بقلم:أريج جمال

الكاتبة
أريج جمال

بعمر الثالثة والعشرين بدأتُ أعاني نوعاً من الطنين الداخلي، كان يصدرُ من أذني ويتوجه إليها في انتظام غريب، كانت له قدرة على التسلط، خصوصاً في نوبات كآبتي السوداء. بعُمر الرابعة والعشرين كتبتُ قصة أسميتها “الطنين”، حاولتُ أن أشرح فيها مُعضلتي السمعية، وتوسلتُ البحث عن أسباب جمالية وروحانية لتخفيف الألم، ثم صدر الطنين على ورق، وتُرجم إلى اللغة الألمانية، بفضله سافرتُ إلى معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في أكتوبر من العام 2014، اُستقبلت داخل إحدى أفخم صالاته وبكى معي أشقاء لا يحكون لغتي، لم يكن لي أن أتعرف عليهم سوى الآن، مجرد أشقاء يعانون من العاهة نفسها، غاب الطنين لأعوام قد أكون أنا نسيتُه فيها، إلى أن عاد متذبذباً في الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر العام الماضي.

مبكراً، أوائل العام نفسه، انتقلتُ مع عائلتي لسُكنى شقة جديدة من البناية نفسها (كُنا في الدور الأول وصعدنا إلى الثالث)، بالتالي تغيَّرت إقامة كتبي وشاشة كتابتي وسريري من غرفة منعزلة تطل على جدار إلى أخرى أرحب تطل على شارع جانبي، ما لم أكن أعرف ساعتها أنه ناحية ثانية من العذاب، حصلتُ على مساحة أكبر استبدلتُ فيها صوت أطفال الجيران وهم يبكون بينما التليفزيون يوسوس حولهم في لامبالاة، بمصادر أخرى متعددة للقلق السمعي.

لم أكن أعلم شيئاً عن جارتنا هذه، التزامها اليومي برفع صوت إذاعة القرآن الكريم لم يُثر في ذهني بدايةَ أي أسئلة، كنتُ أفكر فقط أن تجاهلها لآداب الصوت وحقوقه بالنسبة لنا جميعاً لا يمكن أن يطول، اعتقدت أنها بالضرورة تدرك أن التركيب المعماري للبنايات يُعطي هذه العَطفة قدرة أكبر على بث أقل الترددات أكثر ربما مما قد تبدو داخلياً في بيتها، كانت تطل غرفتي للأسف على التواء الطريق وتستقبل بحماس أصواته، وهي من ناحيتها كانت تنهضُ كل فجر فترفعُ أصوات التلاوات القرآنية حتى أذان الظهيرة، أثناء اليوم كان يمكن لبضع أحداث تافهة أن تُذكِّر إصبعها بمهمته المقدسة على الجهاز، متى ما أحدث مرور سيارة أو موتوسيكل دوياَ عالياَ في الشارع، وفي زلّات الجيران لو قرر أحد منهم أن لديه شجاعة رفع صوت أغنية شعبية مثلاً، كي أكون أكثر أمانة، أي تهويش باحتمال وجود نوع مختلف من الأصوات غير المُقدسة في شارعنا كان يُثير ذعر جارتنا هذه ويدفعها لأن تستخدم أسلحتها النهائية في الردع، أسلحتها من الكتاب المُقدَّس.

 كانت هذه السيدة المُسنّة (كما يستنتج القاريء اضطررتُ للسؤال عنها لما استغرقت الإذاعة وعرفتُ ما يخص اسمها والطابق الذي تعيش به ومرحلتها العمرية) ترأف بي فتزيح من تلقائها صوت البرامج التي تبثها إذاعة القرآن الكريم أيضاً لكن يتحدث فيها أشخاص عاديون بخصوص أحكام وفقه وفتاوى، بدأتُ أحاول تحليل سلوكها، لسبب وحيد، لم أكن معتادة على الدرس أو القراءة وأصلاً الكتابة في حضور أي أصوات دخيلة، ولا حتى صوت أمي، منذ اكتشفتُ الأدب وصاحبتي الوحيدة معه هي الموسيقى في صيغتها الكلاسيكية جداً، ولأني أعيش في بيئة قاهرية مزعجة (يضم هذا الشارع الجانبي عدة ورش للميكانيكا) فقد كيّفتُ عقلي منذ سنوات بعيدة على السهر الليلي والعمل حتى الصباح، إذا كانت السيدة تسرق مني ببساطة الوقت الذي أسرقه من الحياة في قاهرة المُعز كي أكتب وبالتالي كي أكون، لم أعد أمارس الأفعال البدائية للحياة كالأكل والنوم أو حتى أتحدث تليفونياً إلا على خلفية “آيات الذكر الحكيم” المرتفعة جدا، تحوّلت الإذاعة نفسها إلى مصدر لبثِّ القلق وبوابة لنوبات الذعر لما تتبعتني حتى الطريق الصحراوي أيام سفري خارج القاهرة لقضاء إجازة قصيرة. في دقائق التأمل المعدودة كان يبدو لي أن هدف الجارة، وكما تبيّنتُ أكثر مع الأيام، كان الإصرار على تذكير الشارع بحادثة ما، أو كيان أو أب قد نكون نسيناه، الإلحاح على الذنب، هذه هي الكلمة، كان جوهر فعل صاحبتنا. كُنا كلما استغرقنا جميعاَ في الصمت لأي سبب، ارتفعت الآيات مخاطبتنا بشتى صنوف العذاب (لم يكن ممكناً بالطبع أن ألتقط غير العذاب)، أعترف أن وفاءها النادر أسرني، على الرغم من نوبات الفزع والهزال، كانت تفي لفكرتها كما تفي أرامل الحروب لرجالٍ سيغيبون إلى الأبد.

وحدث أن طرقتُ بابها ذات يوم بإلحاح وكاد الخشب الرقيق أن يسقط كورقة إثر لمستي وهي كافأتني على فعلتي من وراء الحجاب بالسعال وعدم الرد، هبطتُ الدرج وفي نيتي تصعيد الموقف، كنتُ سأدافع عن نفسي هذه المرة وأذهب إلى آخر ما تتطلبه الحرب (ينبغي أن أُذكِّر هنا بهوان حالتي المزاجية التي رسمت لي صورة القتال وتمركز الكون حول فكرة واحدة تتضخم كانت هي فكرة الصوت) لكن الحكاية كلها انتهت خلال أيام بعد أن توسط أفراد من عائلتي وعائلتها، قررتُ أن أحتفل في اليوم الأول لرحيل الصوت، أجريتُ مكالمات هاتفية مع أصدقاء عاصروا معي أيام الاستنزاف، ذهبتُ أرتاح آملة أن أُضرب عن السهر الذي يأكل جسدي، كنتُ أفكر في الأيام القادمة التي لا بُد ستمر بأقل قدر ممكن من الضوضاء، أتيتُ بدفتري بدأتُ أستعد، في اللحظة نفسها ارتفع صوت إذاعة القرآن الكريم، مجددًا قادمًا هذه المرة من ورشة الميكانيكا، صمتت السيّدة الوفية بعد أن نجحت في أداء مهمتها، صار لها أسلاف يعتقدون أن الصوت المرتفع للآيات له مفعول السحر في جلب الرزق.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

عادل عصمت يكتب: سيلٌ من الموسيقى

بقلم: عادل عصمت   استمعت منذ طفولتي إلى المنشدين الشعبيين في ساحات بلدتي، وأغرمت بالقصص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Send this to a friend