الرئيسية / شباك / شريف صالح يكتب: أنسى أنها تُغني 

شريف صالح يكتب: أنسى أنها تُغني 

بقلم: شريف صالح

شريف صالح

نحن نسمع قبل أن نرى، ونسمع أبعد مما نرى، تتطلب الرؤية اتجاهًا ومنظورًا أما السمع فيحيط بنا من جميع الجهات، يهيمن ويتسلل، وإذا كانت الأديان خشيت دائمًا من سوء استعمال الحواس، ومن الحواس إذا مارستْ حريتها، فإن العين قابلة للرقابة فثمة حجاب الجفن والرموش والستر باليد وغض الطرف، أما السمع فهو أكثر شراسة وشهوانية وأصعب ترويضًا.

 يا قومِ أذْنِي لِبْعضِ الحيِّ عاشقة ٌ       والأُذْنُ تَعْشَقُ قبل العَين أَحْيانًا

 هذا البيت لبشار بن بدر على جماله، يبدو دفاعًا خجولًا أمام سطوة العين، لأن الأذن غالبًا، وليس أحيانًا ـ تعشق قبل العين، تسحرها الكلمة ويأسرها الإيقاع.       ولكل منا حيُّزه الصوتي الذي يسعى لأن يتخلله ويستغرقه ويكون فيه، حيز يبدأ تشكليه منذ أن كنا في أرحام الأمهات، إذْ يستهوينا تخمين الأصوات، الصوت الحنون والصوت المخيف، صوت الألم والبكاء وصوت  الفرح،  صوت أواني الطعام ووقع الأقدام المتلهفة وطرقات الأيدي وصرير الأبواب المهجور،  ما من كائن إلا ويملك صوته ولحنه الخاص، ولعلها كانت هبة عظيمة أن ولدت في الريف ومايزت الكون الصوتي الذي يحيط بي ما بين مواء القطط ونباح الكلاب وتغريد الطيور وقأقأة الدجاج وخوار الأبقار وحفيف الريح والأشجار وخرير الجداول الصغيرة.

كانت لوحة تشكيلية بالغة الثراء في إيقاعاتها، وإلى اليوم لم أشعر بلذة نوم مثلما كنت أنام بجوار “الساقية” فيخالط صوت ماكينتها الرتيب دفق المياه وزقزقة العصافير على شجرة التوت ونسمة الهواء الصيفية، لم أشعر بلذة تأمل مثلما شعرت بها في امتداد الحقول الخضراء بكل أصواتها المرئية وغير المرئية بما فيها نقيق الضفادع ليلًا تحت ضوء القمر.

آنذاك لم تكن أصوات الأجهزة الإلكترونية قد انتشرت في بيوتنا.. إلى أن دخل الراديو وأصبح شريكًا مُهمًا في طقوسنا.. قرآن المساء بأصوات الكبار: محمد رفعت، عبد الباسط عبد الصمد، المنشاوي، الطبلاوي، البنا، الحصري، الشعشاعي، البهتيمي، وطه الفشني، هؤلاء أصدقائي بأصواتهم في الأماسي التي تعلن وداع اليوم.

كان الراديو أساسيًا لأبي في المساء، ولأمي نهارًا، قسمة عادلة، شكلت وجداني مع أصوات كبار الإذاعيين وقتها: صفية وفؤاد المهندس، علي فايق زغلول، ضياء الدين بيبرس، إيناس جوهر، مديحة نجيب، فاروق شوشة.. أغرب القضايا وكلمتين وبس ومسرح المنوعات وأبواب السماء.. موسيقات البرامج كلها ونصوصها الخفيفة والبليغة كانت طقوسنا اليومية.. كما تسللت معها حفلات أم كلثوم.. وأغاني عبد الوهاب، عبد الحليم، شادية، نجاة، فريد، عبد المطلب. كل نغمة، كل نص شعري كان   حافزًا على تأمل ذاتي، أذكر، كأنه بالأمس، في الصف الأول الإعدادي عدت من المدرسة وأثناء انتظار الغداء أصغيت لأم كلثوم تغني “اسأل روحك”.. هذا الحوار الدرامي من طرف واحد. حبيب متألم يقدم شكايته ويشرح لماذا تغير؟ كان هنا كثمة شيء مختلف استوقفني.

مثلما كان المداحون نصًا آخر في حياتنا، بالبيارق الخضراء والتواشيح والدفوف والمزامير والناي والقصص الشعبية. كانوا يأتون في مواعيد معلومة تبعًا لليلة كل ولي، وكثيرًا ما قادوني إلى أشواق وخيالات صافية، مع الأيام اتسع الكون الصوتي، إلى الموسيقى الكلاسيك.. إلى العالم الآخر الذي لم أعش فيه.. رقصات الشعوب التي لم أرقصها.. ثيمات الأفلام التي لا تنسى ومن أقدمها في ذاكرتي موسيقى الفيلم الفرنسي “رجل وامرأة” ثم مع احتراف الكتابة أحتاج دائمًا قبل أن أبدأ إلى خفض ضجيج الكون من حولي.. إلى ضبط الإيقاع الصوتي المحيط بي: إما السكون التام والمطلق، أو الموسيقى الكلاسيكية.. كما تبقى أم كلثوم وردًا يوميًا لي أثناء العمل، وهي المطربة العربية الوحيدة التي قد أتركها تغني أثناء الكتابة ثم أنسى أنها تُغني.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

سارة البدري تكتب: مأساة الكاتب.. «المفروض»!

بقلم: سارة البدري     قلت قبلا إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend