الرئيسية / شباك / عادل الميري يكتب: الإنصات إلى الطبيعة

عادل الميري يكتب: الإنصات إلى الطبيعة

بقلم: عادل الميري

بشكل عام فإن الأصوات التي يعجبني الإنصات اليها، هي أصوات قادمة من الطبيعة مثل أن أكون في حديقة وأُنصت إلى حفيف أوراق الشجر عندما يلعب بها الهواء وصوت زقزقة العصافير والطيور المختلف، صوت خرير المياه، كأن أجلس إلى جوار نافورة مياه أو نبع تنساب منه المياه، ولحسن الحظ الآن، أصبحت بعض المواقع على الإنترنت، تسمح بالإنصات إلى هذه الأصوات الطبيعي، بالإضافة إلى أصوات حيوانات البحر مثل الدرافيل أو الحيتان، التي تبدو كما لو أنها تغني، صوت أمواج البحر في المناطق الساحلية، أما وأنا لا أزال في فراش النوم، فيعجبني صوت العندليب في الفجر، الذي كان أكثر حضورًا في السماوات المصرية قبل وقتنا الحالي، إذْ يبدو أنه هرب من التلوّث التي تُعاني منه سماواتنا.

صوت صياح الديكة في المناطق الريفية، وصوت البقر والجاموس في الغيطان، وصوت عربات القطارات تمرّ على الفلنكات بانتظام تام، يوحي بالاستقرار والأمان. ومنذ أن أصبحت موسيقى العالم كله متاحة أمامنا بسهولة تامة على اليوتيوب، اكتشفتُ عددا كبيرا من الأنواع الموسيقية التي كنت أجهلها، مثل موسيقى الشعوب كأن تنصت إلى أغنيات شعبية باللغة الإسبانية لقبائل الإنكا من أمريكا الجنوبية، وبها الكثير من آلات النفخ الخشبية، وآلات الإيقاع، وموسيقى وأغنيات عاطفية من إيران، وبها كل الآلات المعروفة لدينا، مثل العود والقانون والناي والرق، وموسيقى وأغنيّات شعوب شمال أوروبا، وبها ألحان تبدو كأنها قادمة من أزمان أخرى، وتعرف بشكل عام باسم الموسيقى الشمالية “نورديك  Nordic”، وبها الكثير من الوتريّات.

أما الأصوات التي أكرهها، فهي كل الأصوات المفروضة عليك، ولا تستطيع الفرار منها. في طفولتي كنت أسكن مع أسرتي منزلا يقع عند أطراف طنطا، وكنت أكره صوت صفّارة انتهاء ورديّة الليل، في مصنع قريب، الساعة السابعة صباحًا، لأن بعدها بدقيقة تدخل أمي لإيقاظي، أيضا صوت أبواق السيّارات في شوارع المدن المصرية التي تطلق طول الوقت من النهار والليل، دون عمل أي حساب للضوضاء التي تتسبّب فيها، قد يكون أصحاب السيّارات معذورين، بسبب عبور المشاة الشوارع في أي مكان، لكن المشاة بدورهم معذورون، بسبب عدم وجود أرصفة أو ممرّات عبور مشاة، في الحقيقة إن شوارعنا مأساة.

صوت الصياح وضرب قشاط الطاولة، في المقاهي التي تسهر في بعض الأماكن طول الليل، دون عمل أي اعتبار للسكان، الذين يسكنون شققا تعلو المقاهي، وعلى المتضرّر أن يلجأ الى القضاء.

ضوضاء الجيران الذين لا يقيمون أي وزن للجيرة، فيستعملون الشواكيش غالبا في دقّ مسمامير أحذيتهم بعد منصف اللي، وأيضا صوت أنين مستمر طول الليل.

أن تكون جالسا في يوم شتوي جميل، على شاطئ البحر في رأس البر، مستمتعا بصوت الأمواج والرياح، ثم يأتي فجأة صوت أغنية سخيفة من سمّاعات مقهى قريب، لا يهتم لا بالهدوء، ولا بك أنت شخصيا، وهو لا يعلم أن الفضاء العام، هو ملكية عامة.

عملتُ لمدّة عشرين عاما على المراكب السياحية في صعيد مصر، وكانت المشكلة أحيانا، في بعض المدن الصغيرة الواقعة على ضفاف النيل، هي عدم قدرة السيّاح على النوم، بسبب وقوع المرسى السياحي بالقرب من جامع يترك المسؤول عنه ميكروفونه مفتوحًا طول الليل، على محطّة إذاعة القرآن الكريم، ويغلق باب الجامع، ويذهب لينام في بيته. هذا الشخص هو الآخر لا يعرف أن الفضاء العام هو ملكية عامة.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

عادل عصمت يكتب: سيلٌ من الموسيقى

بقلم: عادل عصمت   استمعت منذ طفولتي إلى المنشدين الشعبيين في ساحات بلدتي، وأغرمت بالقصص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Send this to a friend