الرئيسية / شباك / عادل عصمت يكتب: سيلٌ من الموسيقى

عادل عصمت يكتب: سيلٌ من الموسيقى

بقلم: عادل عصمت

 

استمعت منذ طفولتي إلى المنشدين الشعبيين في ساحات بلدتي، وأغرمت بالقصص الغنائية الطويلة، كما أن أغاني الأفراح والعمل كانت مؤثرة في فترة الطفولة، وأظن أن ميلي إلى الألحان الشعبية يعود إلى تلك الفترة، وعندما عشت في طنطا اعتدت في بعض الفترات على قضاء بعض الوقت في ساحة الجامع الأحمدي بعد صلاة الجمعة أستمع إلى إنشاد الطرق الصوفية لأذكارهم

في طفولتي في ستينيات القرن العشرين لم يكن التليفزيون له هذا الانتشار. الإذاعة كانت لها السيادة والغناء الحي في الأفراح والموالد، وفي ذلك الوقت كان يمكن أن تحفظ الأغاني دون قصد، فالإذاعة لا تكف عن بث الأغنية الجديدة لأم كلثوم أو عبدالحليم وغيرهما من كبار المطربين، وعندما تسير في شارع فإن راديو يذيع أغنية معينة يسلمك إلى راديو محل آخر. ترافقك الأغنية في مشوارك وتسكن خلف تداعياتك وتجد نفسك قد حفظتها دون قصد. فضاء الشارع في ذلك الوقت كان يغص بالأغنيات، وأجد نفسي حتى الآن أحفظ كلمات بعض الأغاني ولم أجلس مرة بعمد كي أستمع إليه

في فترة الجامعة في بداية الثمانينيات أُغرمنا بفيروز، كانت تحمل حِسا مغايرا يوافق مزاج الشباب ورغبته في التغيير، ومفارقة ما اعتاده ورغبته في تمييز نفسه عن المحيط الاجتماعي الذي نشأ فيه. أذكر أنني أحببت ترتيلاتها الكنسية والأندلسيات وحفظت الأغاني الجبلية المقتطعة من مسرحياتها الغنائية. لكن متابعتي للغناء توقفت عند تلك الفترة، عند أغنيات محمد منير وعلي الحجار، ولم أتابع كثيرا سيل الأغاني الذي جاء بعد ذلك، وكان ظهور إيمان البحر درويش في ذلك الوقت مدخلا لكي أبحث عن أغاني سيد درويش في تسجيلات قديمة وعدت خطوة إلى الوراء، إلى أغاني أم كلثوم في فترتها المبكرة وأغانيها القصيرة وبعد المغنين الذي لم يكونوا في المجرى الأساسي للغناء مثل “أحلام” وأغنيها الجميلة عن الصبر من ألحان محمود الشريف، وأغنية يا حمام البر. كما أنني أحببت أغاني شادية في فترة الغناء الشعبي في الستينيات ولازالت تطربني طريقتها في الغناء وصوتها النادر.

لكني أريد أقول إن تجربة الاستماع ليست التجربة المركزية بالنسبة لي. تجربة الرؤية هي الأهم، بحكم التدريب الطويل ومعايشة الصور والمناظر. عرفت من فترة مبكرة أنني لا أمتلك أذنا موسيقية، ولم أكن أتمكن من إعادة لحن بطريقة سليمة. ورغم ذلك فقد حافظت على تدريب حاسة السمع، خاصة في الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية.

أثناء صباي كان البرنامج الثاني في الإذاعة المصرية في عز تألقه، وداومت طويلا على الاستماع إلى الدكتور حسين فوزي في برنامج شرح وتحليل، الذي كان يشرح فيه المؤلفات الموسيقية لكبار الموسيقيين، حتى ألفت تلك الموسيقى وتعلقت ببعضها. لكل فترة مزاج في الاستماع. فترة أحب موتسارت، وأخرى أحب ميندلسون، وغيرهما. هذه الفترة أستمع لبيتهوفن، أحب الرباعيات الوترية وكونشرتو البيانو رقم 3، 4، وبحكم الاستماع الطويل لهذه المقطوعات أحببت ألحانها، لكن أظل غير قادر على إعادة الألحان، أعرفها، لكني غير قادر على إعادتها، ولقد اعتدت تشغيلها بصوت خافت أثناء الكتابة.

بحكم تعلقي بالقصص أحببت دائما أن أستمع إلى حكايات الناس في الأماكن العامة، وفي المواصلات، وإن كنت قديما أبذل جهدا كبيرا في متابعة ذلك إلا أن الموبايل قد أتاح فرصة لكي تشعر بالمناخ العام أثناء سفرك، وفر الموبايل جريدة مسموعة تنتشر حولك طول الوقت. بث حي للأسرار والمشاكل والتهاني والتعازي والحديث المرسل الذي لا يحمل غرضا بل مجرد دردشة. متابعة تلك الأحاديث من الأمور الممتعة، ففضاء الحياة في مصر حيوي وشفاف لمن يريد أن يتعرف على آمال من حوله وآلامهم ومشكالهم، لكني في النهاية أفضل الصمت الذي تتألق فيه كل الأصوات، فلو دخلت مكانا وكان علي أن أختار بين الاستماع إلى أغنية أو الاستماع إلى الصمت، فإنني بلا تردد أختار الصمت.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

سارة البدري تكتب: مأساة الكاتب.. «المفروض»!

بقلم: سارة البدري     قلت قبلا إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend