الرئيسية / شباك / غادة العبسي تكتب: عازف البيانو

غادة العبسي تكتب: عازف البيانو

بقلم: غادة العبسي

كثيراً ما تتلبسني روح عازف البيانو “جلين جولد” عندما أجلس على مقعدي وأمامي لوحة مفاتيح جهاز الكمبيوتر الخاص بي لأكتب، جلين ابن تورتنو الذي اعتاد غناء ما يعزف من موسيقى علانيةً، فلا يقدر أن يكف عن الهمهمة والنجوى طوال الوقت، الأمر الذي تنافس فيه مهندسو الصوت لإخفاء غنائه المصاحب لعزفه المعجِز، جلين المصطحب لكرسيه الخاص تحت إبطه والذي صنعه له والده بأرجل ذات زوايا مرنة حرة، تتحرك بحسب رغبة جلين ثناء العزف. أستحضر روح هذا المبدع غير المبالي، المتطلب، المصاب بحالة همهمة لا إرادية أثناء العزف علّمته إياها والدته منذ الصغر قائلةً له: غنِّ ما تعزف يا جلين. عندما تشاهد عزف جولد لباخ ستدرك أنها نجوى بينهما، جلين مشبّع بباخ وفي حالة ترجمة شعورية لحالة السماع التي تتملّكه بالكامل.
أظن أن صلتي بالسماع تصل إلى مرتبةٍ من الهوس، فأنا مريضة ببعض المقطوعات الموسيقية، مبتلاة بعدة أغنيات لا أستطيع أن أتخلص من تأثيرها، مسكونة بالأصوات، في لهاث قديم وراء أصدائها، أبحث عن منابعها وأتلمّس أسرارها، تطوّر الأمر إلى قراءة البشر من خلال بصماتهم الصوتية، وأدوّن ذلك منذ سنوات، فصوت أحدهم يلهمني إحساساً ما، فكان لفلان صوت “حجريّ “، سماعه يشبه التنزه في أروقة المعابد ولمس هرم أكبر، أصيل وحزين حزن مَن لا يبلى، الناجي في عالمٍ احتضر من حوله. لآخر صوتٌ حلو متلوّن كالرخام بديع المنظر سهل التصدع فلا يعتمد عليه، هناك صوت مثل فتات الزجاج خادش وجارح، صوتٌ كالبئر، صوتٌ كالسهل، آخر كالجرف الذي يغريك بالوصول لقمّته فينزلق بك. هناك أصوات لاهثة نصفها هواء، وأصوات سخية ممتلئة بالنغم، وأصوات جامدة كالأقمشة السميكة لا تفلح إبرة رقيقة في لضم حوار معها.

إضافةً إلى أنني –أسوة بجلين جولد- لا أكتب إلا ما استطعت قراءته، وضعت في روايتي الإسكافي الأخضر أخيلتي الخاصة عن عالم الأصوات، كتبت منذ سنوات قصة رمزية ذات بعد سياسي تسمى “فرقع لوز” ليست إلا حواراً بين أصوات الحشرات، كما تناولتُ خطًّا غنائيًّا بصوت الشيخ يوسف المنيلاوي على لسان “علي” بطل روايتي الأولى الفيشاوي.
لن أنكر، الغناء الذي أمارسه منذ الصغر جعلني ذات حساسية لمفهوم البصمة الصوتية مسموعة كانت أم مكتوبة، ولكن السماع وهبني حالة الطَرَب التي تجعل روحي خفيفةً محلّقةً ووجداني مستقبلاً طوال الوقت، السماع بالنسبة لي هو كرسي جلين جولد الذي يقربه حسبما شاء من البيانو ويقربني من حَرْفي..
ربما لهذا السبب أحاول دوماً الاقتراب من عالم الصم، لأفهم كيف عاشوا من دون سماع، الأمر الذي لن أقدر عليه أبداً، فبعد الغوص في عالم بيتهوڤن الذي عاش نصف عمره أصم وبعد ترجمة بعض خطاباته ومحادثاته فهمتُ كيف قد يحيا المرء على ذكريات الصوت نصف حياته ليكمل النصف الآخر ، أدركتُ معنى أن يتسوّل أحدهم صوتاً في ظلمة الصمت.
غادة العبسي

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

بقلم: محسن البلاسي الظل المحمول حياة فاترةٌ في عين الشائخين مؤلمةٌ في عين الموتى ومحتلـّو …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend