الرئيسية / شباك / فكري عمر يكتب: رفيف الأجنحة

فكري عمر يكتب: رفيف الأجنحة

بقلم: فكري عمر

الموسيقى رفيف أجنحة ضد الجاذبية الأرضية. إيقاعها شفرات مواربة الأبواب، فترى دون أن تنتهك النور، وتتذوق حتى الثمالة، ثم تعود فتطلب المزيد. لا أدرى هل هناك لغة يمكن أن تعبر عن الشجن الحلو، والتحليق فى ظلال المعانى المجردة، وفقدان الإحساس بثقل الأشياء، وحضور أقصى درجات التوهج الوجدانى تحت سطوة تدفقها فى روح المنصت الرحبة؟ لا أظن. نحن فقط ننحت لغة تقارب ما نشعر به، فأجمل الأحاسيس، وأعمقها لا يمكن حبسه فى عبارات سردية، لأنه يتلون، ويخاتل طوال الوقت. وتظل اللغة دائمًا إزاء المعنى كلعبة شد الحبل، فالكمال فناء. مع الموسيقى أعيش وحدى. كأننى أريد ألا تختلط بنا فى خلوتنا أية أصوات أخرى. فى أذني ألقف ترانيمها. نُثر من الشرق، والغرب.. “عمر خيرت”، “ياسر عبد الرحمن”، “تشايكوفسكى”، “كورساكوف”، “فنجيليس”، “نينو روتا” وموسيقاه الرائعة فى فيلم (العرَّاب). هؤلاء أكثر من استمع إلى إبداعاتهم.

أما علاقتها بالكتابة فأختزلها فى التالى: نادرًا ما أسبق الكتابة بالاستماع. وعلى العكس، كثيرًا ما يكون الاستماع تاليًا لجلسات الكتابة التى تعصر الروح عصرًا. كأننى أعيد ملء بطاريات فرغت من شحنتها، فالموسيقى لا تسبق الكتابة، كونها فى رأيي جمال صاف يصل بك إلى ذرى التشبع، ولهذا فهو لا يترك فراغًا يحتاج لرتقه، ولا أستمع إليها فى لحظات تَخلُّق الكتابة أبدًا. ربما لأنهما فى نظري طريقان للجمال لا يمكن أن تمشى بهما فى الآن ذاته، وإلا تفسخت أرواحنا قبل أصابعنا، وعقولنا المنهكة. ثم إن لكل قصة، أو رواية إيقاع سردي خاص يتخلق معها، أحاول الوصول إليه من خلال قراءة الفقرات السردية بصوت عالٍ، وتكتمل القصة لدي فى المراجعات حين أراها وقد اكتمل بناؤها الإيقاعى فى انسجام يلائم الفكرة، والأجواء.

أكثر ما أحبه سماعًا بعد الموسيقى الغناء.. “عبد الحليم حافظ”، “نجاة”، “عمرو دياب”، هم المفضلون لدي. إذا استهوتنى أغنية، أو مقطوعة موسيقية يمكن أن أعيد سماعها لمرات متتالية فى نفس الجلسة، لا أَمَلُّ أبدًا ما أحبه. أما الأصوات المُحرضة على الكتابة لدي فهى الأصوات التى تدعونى للانتباه جيدًا، أو تثير مخاوفى، وانزعاجى، أو حزنى. ورغم أنى أفكر بالصور، فقد كتبت غالبية قصصى، وفصولًا فى روايات على إثر صور فى خيالى، أو مشاهد واقعية فجرت أحاسيس معينة، ولكنى هنا تحديدًا أعود إلى علاقة الصوت بالكتابة طالمًا كان الحديث عنه. ترن برأسى الأصوات، لا تغادرنى، حتى أصوات الأحباب الراحلين حين أتذكرهم. يحضر الصوت ملعلعًا بهيًا. لأحكى حكاية لافتة، ودالة باختصار غير مخل. روايتى الجديدة (عيسى) تفجرت فى نفسى إثر صوت متكرر كنت أسمعه طوال الليل، ولمدة شهر، أو شهرين فأفزع من نومى بأطراف باردة ترتجف، وقلب يخفق رعبًا على من حولى، ثم أهدأ بعد أن تكتمل اليقظة. أنت تعرف أن فضاء الريف هو مزيج من أصوات الكائنات جميعها. كانت الحكاية ببساطة أن ديوكًا كانت تصيح فى عمق الليل، فأقوم مفزوعًا متخيلًا أن نسوة يولولن على وقع مصيبة مفاجأة، وليس صحيحًا أن الديك يصيح فى الفجر فقط. كان هناك أيضًا باب يئز فى الشقة، فأتخيله نواحًا، ولعل المسألة كانت مرتبطة بمخاوف محددة واكبت هذه المرحلة. اندفعت للكتابة لثلاثة أشهر تقريبًا حتى أنهيت كتابتها، والرواية لا تتحدث عن الأصوات عمومًا، ولكنها تبدأ حيث يبدأ صوت ما بإيقاظ بطلها، ويكون الصوت مفتاحًا لمصائر شخصيات الرواية شبه الملحمية عن عائلة غريبة. أتعرف.. بعد الانتهاء من الكتابة الأولى للرواية لم تعد تلك الأصوات بالتحديد توقظنى حتى من النوم، أو تزعجنى أقل إزعاج.

 

 

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

سارة البدري تكتب: مأساة الكاتب.. «المفروض»!

بقلم: سارة البدري     قلت قبلا إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend