الرئيسية / شباك / محسن يونس يكتب: استحضار الوجود

محسن يونس يكتب: استحضار الوجود

بقلم: محسن يونس

محسن يونس

تحدثت منذ سنوات عن تأثري بسماع كل من المداحين الذين كانوا يأتون إلى قريتى، وكنت أتبعهم وهم يسيرون فى دروبنا أو يتوقفون عند بيوتنا، لم أحفظ قط أية كلمات، وسأظل ضعيف الحفظ طوال عمرى، ولكن هذه الإيقاعات الصوتية التى تبثها حناجر هؤلاء المداحين، واختلاف نغماتها، كانت هى المؤثرة فى كيانى، وأزعم بيقين أننى فى كتاباتى الأولى كنت أكتب تحت تأثير هذه النغمات والإيقاع، ربما حاولت منذ كنت صغيرا، وحتى الآن أن أفهم هل هناك علاقة بين الصوت وصاحبه؟ هل بالفعل – كما هو معروف شعبيا، ومنسوبا إلى الرجولة – أن الصوت الراعد إذا صاح الأجش، الجاد الممتلىء النبرات ينبئك بأنك تستمع إلى رجل كامل الرجولة، وأن نقيضه إذا سمعتْ أذناك صوتا خفيفا – أو كما يصفونه “مائعا” – يعني أنك أمام حالة من الرجولة ناقصة الاعتماد الكامل..

أعرف بعد ذلك أن الصوت هو استحضار الوجود فى الوجود، ونقيضه هو العدم، ولا شيء يعادل أن يكون لكلماتك المكتوبة على الورق صوتا، يتردد صداه في أذني القارئ، فتصبح القراءة بالعينين، وعبر عملية معقدة فى المخ، هى التى تترجم إيقاعات اللغة المقروءة، وكأنها أصوات، يمكنها أن تعطيك المتعة فتواصل القراءة، أو لا تمنح إلا سماجة، فتنصرف عنها، أعرف أيضا أن الصوت – اللغة المسموعة تتكون من مجموعة أصوات – لا تعادلها اللغة المكتوبة ، بل يمكنني أن أذهب إلى أبعد من هذا ، فأقول أن اللغة المنطوقة أو الملفوظة التى هى أسبق وياللعجب، أكثر تطورا من اللغة المكتوبة، خذ مثلا كلمة “آه”  أنت تقرأها الآن فلا تعنى إلا ذاتها “آه” ربما تدخل الكاتب وألحق بها وصفا، ليدخل القارىء من باب حقيقة تعبيريتها، بينما ” آه” المنطوقة أو الملفوظة يمكننا مباشرة عندما تصطدم صوتها بآذاننا أن نتواصل مع هل هى تحمل الدهشة مع الألم، أم هى رد عن سؤال ما بالإيجاب، أم هى للتوجع، أم للتلذذ والغنج .. إلخ .. إلخ ..

إذن هل للكاتب، وهو يعتمد اللغة المكتوبة أن يتمثل هذه الشحنة الانفعالية المعبرة عن حالة ما، عندما يكتب دون اللجوء إلى إضافة وصف ما، ظانا منه أنه بهذا التركيب يدخل القارىء فى معمعة الأصوات التى تعادل الوجود، كما هو موجود حول الكاتب والقارىء..

أعتقد أن الغناء والإنشاد وهما يعتمدان اللغة المسموعة بالطبع، هما الأكثر تأثيرا من فنون وآداب أخرى، هل يعنى هذا أن ننظر إلى القصص والروايات والشعر المكتوب بنظرة متدنية، ونسحب من كل منها فضيلة التأثير؟ لا يمكن أن نصل إلى هذا السلك الشائك، ونقف عنده ونحن نتطلع إلى النقيض، خلاصة القول هنا ليس إزجاء النصائح للكُتاب، فمن أنا حتى أتخذ سمت الناصح الحكيم؟! إنَّ ما أودُّ الانتباه إليه أن أجعل كلماتى المكتوبة تحمل روح المسموعة، ولن أضلل أحدا، فأنا لا أعرف كيف؟ ولكن علينا المحاولة ، فلا نقع في أسر اللغة الوصفية المثقلة بالتفاصح، والنهل من قاموس لغة هجرت منذ سنوات، فنفجرها في وجه القراء، كالألغاز المحتاجة إلى شروح ..

للصمت صوت أيضا، نحن في حضرة الصوت الذى هو الوجود، وما الصمت إلا خدعة فحركة الكون صوت، كثيرا ما تأملت لحظات الصمت في كتابات الكثير من الكتاب، وكما أن للصوت سطوة كان للصمت أيضا سطوة، فهما الصوت والصمت لغة ..

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

سارة البدري تكتب: مأساة الكاتب.. «المفروض»!

بقلم: سارة البدري     قلت قبلا إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend