الرئيسية / أخبار / رضا البهات: أنا ملتبس على نفسي «حوار»

رضا البهات: أنا ملتبس على نفسي «حوار»

أجرى الحوار كُلاً من: حسين عبد العزيز، وأحمد أبوالخير

 

في أحد أحياء المنصورة الصاخبة تكمن عيادته. العيادة يُداوي منها الأطفال الصغار، المولودون حديثًا. يستقبل فيها أصدقائه الأعزاء، ربما جاءوا ليستشيروه في معضلة حياتية، ربما لرأي أدبي بعدما انسدت منافذ الحياة أمامهم. تأشيرة الدخول إلى العيادة هي طرقة خفيفة على الباب ذو اللون البٌني، تلقى أمامك طُرقة بسيطة بها تلفاز، ربما ليتسلى به الأطفال، ربما لتتعلق به أبصار الأمهات عند الانتظار، خطوة ثم أخرى وتكون داخل حُجرة الكشف التي يستقبلك فيها هاشًا باشًا. يٌسلم عليك في حرارة بالغة كأنّك صديق قديم قد باعدت الأيام وما فيها من تناحر وتنافر فيم بينكما، دارت الرحى حتى تلاقيتما.
فلتعرف تمام المعرفة أنّك لن تجلس دقيقة واحدة، إلا ويقوم بنفسه ليضع إبريق الشاي فوق هذا البوتجاز المعدني، ألم أقل لك أنّه على يمينك، في الطٌرقة الخفيفة المؤطرة بالتلفاز وكراسي من الجلد يُوجد حوض صغير، بوتاجاز كهربائي وأدوات عمل الشاي الذي يُحبه حبًا كبيرًا؟. يصنع الشاي، يأتي إليك بكوبايتك أولاً قبل أي شيء، يُشعل سيجارته بعدما يضعها في “المبسم”، ويفتح عقله فسيح الأرجاء، وأذنه ليتسمع لك، وإلى ما عندك.
هذا هو الدكتور رضا البهات، صاحب رواية”ساعة رملية تعمل بالكهرباء” التي فازت بجائزة ساويرس الثقافية فرع كبار الأدباء عام 2015م.
ذهبت إلى الدكتور رضا في عيادته لمحاورته، للتحدث معه في أمور داخل مطبخ الكِتابة، عن المقالات الأسبوعية التي يكتبها في جريدة المصري. لم أكن بمفردي، كُنت في صحبة الأستاذ حسين عبد العزيز وهو أحد أدباء المنصورة. الحديث أخذ يتشعب بنا، دخلنا نطاق السياسية، تطرقنا إلى الكرة، وعلاقته الشخصية بالكرة، عن المستقبل ونحوه. ولكنّه مرارًا وتكرارًا يٌعيد علينا هذه المقولة طوال الجلسة التي كان يقطعها بين الحين والآخر ضحكات مقهقهة، يقول لنا عنه “أنا شخص ملتبس على نفسي، وأمر بحالات كثيرة” .
هذا هو الدكتور رضا، وهذا هو حوارنا معه في أمور السياسة والدين :

في إحدى المقالات التي نشرتها مؤخرًا تحدثت فيها عن فكرة الضمير، وأنّ عملية الاحتكاك بأفراد المُجتمع سيعمل على تكوين قناعة وهي أنّ المجتمع ذاته يفتقد إلى وجود الضمير.

هنالك مثل مصري يقول(السُلطان من لا يَعرف السلطان ومن لا يعرفه السلطان)، والحقيقة أن فكرة هذا المقال وما كتبته قبلاً في هذه الفترة [يقصد فترة الانتخابات]؛ لأتنجب الخوض في أية نقاشات أو أمور سياسية، فالفترة عصيبة، لذا كتبت مقالة عن الفن، عن الضمير. وغالبية ما دار في هذا المقال لهو أصداء لمؤتمر شهير كتبت عنه مرة أيضًا في جريدة المصري اليوم. المؤتمر كان عام 2000م، في سويسرا وخاص بالإدمان، بالطبع لم أسافر له، ولكن وثائقه وأوراقه كانت عندي – هذه الأوراق قد أخذها مني بلال فضل،”الله يمسيه بالخير”- القصد أنّه كان هناك عِدة قرارات لهذا المؤتمر ومنها :
1- بعد انفراد الرأسمالية بالعالم وسقوط الشيوعية أو الاشتراكية، بدأت الناس تفقد الثقة في الحياة، ويتم التبرير لذلك على أنّ نسبة الإدمان قد ارتفعت في العالم، ومن الواضح أن كُل دولة تُعالج بطريقتها، وبالتالي فقد الناس الثقة في الحياة، وفي وجودها، وهذا يتضح في الطبيعة الانتحارية المُنتشرة عند الشباب .
2- ورقة أخرى من المؤتمر قَدّرت أنّ الفترة القادمة والتي فيها سيخلو العالم من أفكار نعيش فيها، بحوالي ربع قرن، فالناس “كفرانة” بالرأسمالية، ومضطرة إلى التعامل معها .
3- سيحدث ذلك بعد ربع قرن، وتكون هُنالك أفكار بديلة يعيش الناس معها.
هذا كلام المؤتمر والقليل جدًا من أوراقه العالقة بالذاكرة، وأنّ هذه الأفكار التي تحدث عنها ستخرج من أهل الثقة وهم الفنانون والفن والسينما والمسرح والقصة والرواية، من كافة أشكال وأنماط الفن، لأنّ هذه الأمور هي من تُحبب الناس في الحياة،فالناس محتاجة إلى الثقة في الحياة مرة أخرى، إلى أن تظهر أفكار جديدة.
ومن التوصيات: أنّ الحكومات التي تعمل على تضييق الأمر على الأدباء والفنانين، فهذا أمر غير مقبول، فهم فئة خاصة ولابد من معاملتهم برفق بعض الشيء، بمعنى استثنائهم من القانون، وطبعًا لا أحد يُستثنى منه، المؤتمر كان عام 2000، وها نحن الآن ندخل على دوامة من التوهان والزعزعة، وهي واضحة في متزعمي العالم منهم مثلاً ترامب هذا تاجر للعقارات والأراضي، والعالم بأسره عبارة عن مستنسخات من ترامب، فالعالم كُله يسير بالعضلات، والناس مُحتاجة إلى العادية، مُهتاجة إلى الثقة في الحياة بعض الشيء، وهذا اتفاقي مع مؤتمر الإدمان لحين ظهور أفكار بديلة جديدة.

في شهر مايو القادم تحل الذكرى السبعين على حرب 1948م وهزيمة العرب، وإنشاء إسرائيل، فكيف تنظر إلى هذه النكبة؟

حسنًا، سأقول وأمرى إلى الله، أتصور أن أرض فلسطين هي أرض لابد أن يعيش عليها مُتكاتفًا كافة الأديان، أما أن يصبح هناك دولة إسرائيلية على هذه الأرض، فهذا أمر مرفوض تمامًا. أول رواية لي”بشائر اليوسفي” كانت تدور حول هذا الموضوع.
وإنّما ما عاصرته وكُنت جُزء منه، ووقتها كُنت في الصف السادس الابتدائي هي نكسة 1967م، عاصرت ورأيت كيف تُدك عظامنا، ومن وقتها – تقريبًا – وكأنّ عقلي يُريد قراءة أن الغرب يستهدف مصر بشكل ما، استهداف لتسير داخل طريق مُعين وهو طريق العدل الإجتماعي.
أتذكر حينما كُنت في المدرسة الثانوية في مدرسة الملك الكامل، حدثنا مُدرس التاريخ أن الصهاينة يعتمدوا على تقسيم المنطقة قبل 2000 سنة، فإذا لابد أن نُرجع تقسيم العالم كُله قبل 2000 سنة، فتكون روسيا غير روسيا الحالية وألمانيا ليست هي، وهذا أمر صعب بل مستحيل عمليًا، فلابد أن نتوقف عند نقطة بعينها، ولا يأتي مُحتل يتحدث بأن له حق.
أقول بأن إسرائيل صُنِعت لتكون رأس حرب مُتقدمة للعالم الرأسمالي.
عمومًا أرى إصرار وزير إسرائيل على إعلان دولة إسرائيل دولة “يهودية”؛ لكي يقول أننا نعوم في بحر من الكراهية من جانب العرب والمسلمين، ومحاولة منه لتنشيط الإسلام الوهابي، وهذا هو الهدف كما فهمت منه. لدرجة أن الرئيس السابق حُسني مبارك – وهذا التصريح أُذيع مرة واحدة فقط- حيث في هذه الأثناء كُنت مُتابعًا جيدًا للتلفزيون، قال ” قول حماس” فرد: “ما هي إسرائيل اللي عملاها”، هنا فهمت.
أقول لك أنّ أحد المقربين مني، وصحفيًا بالمناسبةِ، سافر في التسعينات إلى لبنان والأردن وشاهد السلاح الاسرائيلي وهو مُحمل على بِغال وحمير حماس وغيره.

يقول ابن خلدون (أن المنهزم مُقلد المُنتصر)، فمتى نتقدم أو حتى نكون قريبين من الصدارة؟

صدارة! هذه كلمة كبيرة جدًا، والسؤال في حد ذاته صعب، وإذا كانت الإجابة مُتيسرة لن تكون هُنالك مشكلة في الأساس.
دعني أقول لك أن الثقافة التي نعيش فيها منذ خمس آلاف سنة لابد لها من التغييرِ. أتذكر الآن الدكتور طه عبد الحكيم في كِتابه المُهم [ملامح الشخصية الوطنية المصرية] يقول أّن الطبيعة الإجتماعية في مصر غالبة على الطبيعة السياسية، وأن الناس تعيش عيشة هنية، والحُكام طبقتين في مصر عوام الناس والذي – الآن يصل عددهم إلى 95 مليون نسمة، وأما المليون الباقي يعيشون مُرفهين – بالطبع أنا لا أحصى أرقام، وإنما أتكهن-، وقال جمال حمدان صاحب الكتاب الشهير [ شخصية مصر] نفس الكلام ولكن بطريقة مُغايرة، وتكملة لكلام الدكتور طه، أن كُل طبقة تقول للأخرى : لتتركونا في حالنا، وأنتم في حالكم، وبالتالي كُل فرد صار ينظر للآخر نظرة ريبة وشك، وبٌناء على ذلك يظل كُل طرف في حالة توجس وريبة ولن يتوحدوا أبدًا إلا عندما يُلم خطر أو كوارث خارجية، هُنا ينسى ويتغافل كُل شخص عن تحفظه على الفصيل الآخر، ويبدأوا في التكاتف.
من رأيي إن مصر حاليًا في مرحلةِ تغيير ولكن “حِبالها طويلة” كما قال إبراهيم أصلان.

مرت مصر وغيرها من الدول بالكثير من الأحداث، فما هو التفسير الديني لهذه الأحداث؟

لا يُوجد شيء اسمه تفسير ديني للأحداث، ولكن دعني أقول لك أن الوهابية قد انفردت بالعالم من خلال حكايتين.
أما الأولى: فكانت من خلال حوار لعالم اقتصاد أمريكي، في إحدى التحقيقات في صفحة الاقتصاد داخل جريدة الحياة، الصحفية تسأله : هل الوهابية ساندت الرأسمالية الجديدة أو النيوليبرالية؟ فرد بعبارة موجزة:
بالضبط، نعم طبعًا.
الثانية: صديق لي كانت قد تُرجمت له رواية في فرنسا، وفي الخارج يحترمون الكاتب جدًا – أو كانوا- فدعوه للذهاب إلى نيس لإلقاء محاضرة ونحوه، ولابد أن يرافقه في الرحلة مُترجم، ولكنّه قال لهم أنا لا أريد مُترجم أو غيره، أنا أريد السير في الشوارع، أرى الناس، أشاهد المقاهي، فأخذته قدمه إلى مدرسة ثانوي – وهذه الحكاية حدثت عام 2002 تقريبًا- ليرى الفتيات المراهقات الجميلات، فرأي أن الفتيات لا يرتدن زيًا موحدًا، إنما إحداهن ترتدي شورت، أخرى على آخر صيحة من صيحات الموضة، وفتاة ترتدي حجاب، فقال فلتأتوا بالمُترجم، فجاء وسأل الفتاة عن ارتدائها الحجاب، فترد عليه لتقول :
Moi Musulman ، فيسألها صديقي الكاتب عن معني ذلك؟ فتقول له: يعني لا إله إلا الله محمد رسول الله. هذا هو الإسلام.
فيُحدثني صديقي أنّه ظل وراء الحكاية تلك حتى عرف أن القنصلية السعودية – وقتها- في نيس تعطي 60 ألف دولار لمن يشهر إسلامه.
القصد أن الوهابية انفردت بالعالم والدين لم يكن في يوم على هذه الشاكلة، الآن قد تغير الوضع كثيرًا، والسعودية تحاول تعديل آثار الماضي.
لذا الواجب على المصريين أن يحبوا الحياة، لذا أنا كُنت أرى أن ما حدث في ثورة 25 يناير كان له شعار آخر مضمر غير المُعلن وهو أن “المصريون يريدون أن يحبوا الحياة”.

هل تعتقد في فناء البشرية؟

لا. البشرية لن تفنى أبدًا، فالإنسان عبارة عن كائن مُكافح جدًا، والإنسان في فترة أكثر من 600 ألف سنة وهو يسعى ويعمل، يطور الكِتاب، يصل إلى الغناء، فالأصوات الغوغائية التي كان الإنسان البدائي يتحدث بها، تطورت عبر ملايين السنين لتصير غناء عذبًا.

أنت لاعب كُرة قدم قديم، فكيف تصف العلاقة الحميمية بينكما؟

قديمًا كُنت لاعب في أول نشأة لفريق المنصورة عام 1974م، وكُنت أحد دعائم الفريق، وكان محمد حمامة وهو بالمناسبة أخو فاتن حمامة هو المدير، أو الكابتن أو شيء من هذا القبيل، ولكن تقوض وأنهد كُل هذا بعدما التحقت بكُلية الطب، ذهب كُل ذلك سدى، والآن لا علاقة لي بالكُرة من قريب أو بعيد.

ولكن لابد أن سمعت بظاهرة محمد صلاح داخل ملاعب الكُرة الإنجليزية؟

بكُل تأكيد، ولكن الآن تجري محاولة لتسيس محمد صلاح [يصمت] تسأل لماذا؟؛ لأنّ ثقة الناس في كرة القدم هي ثقة نابعة من أن الكُرة هي فعل عادل نسبيًا، لا أتذكر من قال أنك في لعبة كُرة القدم ستأخذ مكانك إذا كُنت موهوبًا، ومن يحرز الهدف يُحسب له.
إذًا تصوري أن الكرة هي تجسيد لمجتمع يُريده الناس، يُحبه الناس، ومن خلال فهمي لحركة الجموع فالكرة هي تشخيص لاحتياجتهم، الشيء الوحيد الذي يندرج فيه وداخله درجة ما من العدل، ابن الفقير أو ابن الغني موهبته هي التي تقوده، نتيجة المبارة يتم حسابها على حسب الأهداف، الناس تتمنى الحياة بهذا الشكل من العدل، ولكن يبدو أن المسألة ليست كذلك، فنفس الشيء، ونفس الموضوع مُتجذر في أوربا بأنفع وأقوى.

ماذا يُمثل لك المستقبل؟

هذا السؤال له حكاية. أذكر أنني عملت لفترة من الوقت في بداية حياتي مع الدكتور يحيى الرخاوي، وكُنت أنشر عنده في مجلة تحت اسم الإنسان والتطور. فذهبت له في العيادة، فأخبرني الممرض أن أنتظر قليلاً [يضحك د.رضا]، فانتظرت ثم دخلت على الدكتور يحيى لأفاجيء أنّه يقول لي:

هل أنت رضا البهات؟

التبس عليّ الأمر لدرجة أنني شككت في نفسي [يضحك بصوت أعلى مُجددًا]، طبعًا نحن صديقان، وهو أستاذي، ثم قال لي:
أنت لا تكون رضا البهات إلا قبل أن تموت بربع ساعة، بمعني أن مشروعك يكتمل في هذه الحالة فقط قبل الموت.
يعني أن تُثري نفسك بخبرات مُتعددة، تفشل مرة، تنجح مرة، فأنت مشروع مفتوح لاكتساب الخبرات، واكتماله قُبيل الموت.
هكذا أنا مع المستقبل، أنجح مرة، أفتح مرة، وأثري نفسي.

سأقول كلمة وتُرد بكلمة واحدة فقط؟

الطب: أكل عيش
الحق: مفقود
الخير: يكتسب معنى طبقي
الجمال: كالخير.
الحب: حاجة عظيمة، يا عيني عليه.
اللوحة: عشق سري
الموسيقى: كذلك
الفيلم: ولع خاص
الحياة: لا يُوجد غيرها
الحرية: أعظم شيء في الكون.
الموت: به ينتهي كل شيء.
طه حسين: العظيم
الحكيم: تعبير عن مرحلة.
إدريس: هذا النافذ في الزمن
نجيب: هذا أيضًا نافذ آخر.
المخزنجي: أستاذي العظيم .
المنسي قنديل: أستاذي أيضًا.

في عبارة مُوجزة، كيف تصف رضا البهات، الأمس، واليوم، وغدًا؟

رضا هو شخص مُلتبس على نفسه ويمر بحالات كثيرة.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«جرائم براج».. رواية رعب تشيكية عن دار «العربي للنشر والتوزيع»

صدر حديثا عن دار  العربي للنشر والتوزيع رواية رعب مترجمة من التشيك بعنوان “جرائم براج” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend