الرئيسية / إبداع / «شجرة الجسد» قصة لـ «محمد إبراهيم قنديل»

«شجرة الجسد» قصة لـ «محمد إبراهيم قنديل»

بقلم: محمد إبراهيم قنديل

شجرة الجسد

صابر الحسيني كان قد نُسِيَ تمامًا.
ظلَّ تسعةَ أشهرٍ محجوزًا في القصر العيني، تسعةُ أشهرٍ كفيلةٌ بأن تمحوه من ذاكرةِ الجميع، لتبقى فهيمة والحسيني علوان وحدهما يذكران ولدهما المريض، في أولِ مرضِه كانت الرِّجْلُ لا تنقطعُ عنهم، كل يومٍ يخرجُ ميكروباص محملٌ من النقعة، يزورُ المريضَ ويضعُ تحت وسادتِه ما تيسَّرَ مما يعينُ على الأيام السوداء، و يعود العجائزُ اللائي زرنَ فهيمة، يحكينَ عن طائرِ الموتِ الذي فردَ أجنحتَه على وجهِ صابر الجدع ابن العشرين، و غرزَ مخالبَهُ في جسدِه العفيّ.
بعد قليلٍ خفَّتْ الزيارة و تباعدَتْ حتى توقفَتْ تمامًا، عادَ الحسيني من مَصر و عُرِفَ في شرودِه رهبةُ الموت، فانزلَقَتْ الأسئلةُ عن الألسنة قبلَ أنْ تبوحَ بها، وابتلعَ كلٌّ سؤالَه، كان الترقبُ يطفو على الآذانِ كلما فُتِحَ ميكروفونُ الجامع في غيرِ موعدِ صلاة، ومع تكرارِ إعلانِ ضياعِ شاةٍ أو حملةِ تطعيمٍ أو وفاةِ أحدٍ من خارجِ البلد، طاش الترقبُ ونُسِيَ صابر كأن لم يكن، والغريبُ في الأمرِ أنَّ فهيمة لم تعُدْ لكنْ لم يسألْ أحد.

صابر الحسيني كان قد نُسِيَ تمامًا قبلَ أنْ يَئِزَّ ميكروفونُ الجامع باسمه في السابعةِ صباحًا، والبقاءُ والدوامُ لله، والجسدُ قادمٌ ليُدْفَنَ بعد صلاةِ الظهر.

كالعادة أوكلَ الكبارُ المصالحَ والغيطَانَ إلى الصِغار، وزحفوا بعباءاتِهم السوداء إلى الطريق، ينتظرون ركبَ الجسدِ العائد، بدأ المللُ يتسللُ إلى حلقاتِ الجلوسِ حين حضرَتْ العِشاءُ ولم يأتِ المرحوم، ربما تأخرَتْ تصاريحُ الدفن وإجراءاتُ الخروجِ من المستشفى، ربما كان الطريقُ مزدحمًا وربما وربماتٌ كثيرة، كثُرَتْ الاحتمالاتُ التي لم تجِدْ أحدًا من عائلة علوان يرُدُّ عليها، اكتشَفَ الجميعُ فجأةً أنَّ الحسيني علوان وحيدٌ مقطوع من شجرة، لا أحدَ معه، بدأ الناسُ يسألونه عن الإجراءات و تخليص الأوراق، وهو شاردٌ كأنَّ به لطفًا، و لا يزيدُ على أنْ ينهنهَ بين حينٍ وآخَر “صابرمات يا ولاد، الله جاب، الله خد، الله عليه العوض ” بدأتْ فهيمة تسيطرُ على الأذهانِ مرةً أخرى، عاد وتركها وحدها هناك، سألوه بإلحاح مَن ينهي الإجراءات يا حسيني؟ فهيمة وحدها يا حسيني؟ والرجلُ في ملكوتٍ آخَر.

انفَضَّ السامرُ في البدايةِ على استحياء، يقومُ أحدُهُم يتنحنحُ و يلفُّ ويدور ثم ينسَلُّ من الجمع، تاركًا أحدًا من السلالةِ يقوم بالواجب، حتى انتصفَ الليلُ و لم تظهرْ علامةٌ علَى شيء، اتفقوا على خروجِ سيارةٍ بها خيرةُ شبابِ البلد بعد الفجر مباشرة، لتعيدَ الجسدَ الميتَ وأمَّهُ الغريبةَ في بلادٍ غريبة، الاتصالاتُ لم تتوقفْ لحظة، حتى وصلوا القصر العيني وانقطع الاتصالُ بهم، الساعاتُ الأولى مرَّتْ عاديةً جدًا، بدأ القلقُ يتسللُ إلى الجميعِ حين علا قرءانُ العصرِ من الجوامع.

لم تنَمْ النقعةُ تلك الليلة، البيوتُ خاوية، والجميعُ على الطريقِ ينتظرون، القلوبُ تغلي والأصواتُ تعلو وتتداخل “الهاتف الذي طلبته ربما يكون مغلقا أو غير متاح حاليا ” هكذا كانت تتحطمُ معنوياتُهم، ويفركُهم القلقُ أكثر، توصلوا إلى إرسالِ سيارتين هذه المرة تخرجان بعد الفجر مباشرةً لتقفا على السر .
هؤلاء الذين يجلسون هناكَ يشربون الشاي بعيونٍ ميتة، تحت شجرة “الحسينة” هم ما تبقى من رجال القرية، ينتظرون جسدَ الميت ليُدْفَن في ترابِه، الحسيني علوان ظلَّ جالسًا، جسدُه وسطهم على الطريقِ أمامَ المقابر، وعقلُهُ في ملكوتٍ لا يعلمه إلا صاحبُه، نام الناسُ وصحَوا، ليجدوا شجرةً صغيرة نبَتَتْ مكانه، سمَّوْها على اسمِه.
النساءُ يفعلْنَ كلَّ شيءٍ و يَعُدْنَ إلى الطريقِ يقضين السهرة، تقليدٌ لم ينقطعْ لأعوام، و الحسينة تكبُرُ وتشيخُ تاركةً أوراقَها تتهدلُ كما لو كانت صفصافة، ربما هي صفصافةً في الحقيقة لكنَّهم يأبون إلا أنْ تكونَ حسينة.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend