الرئيسية / بوك ريفيو / مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير

منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، كاتبة جادة، تجيد استخدام أدواتها، يغلب الشجن على سطورها، سواء في فكرة رواية “الجدار” التي مستني جدًا، عن الصحفية الشابة التي تعلق صور ضحايا وجرحى الحروب والمذابح على جدار بغرفة نومها، ليخرجوا كل ليلة بأجسادهم الدامية وأطرافهم الممزقة يتحدثون ويتناجون على طرف فراشها. أو عبر تلك الينابيع الخالصة من الألم في أحدث أعمالها؛ “بنات الباشا”.

“الحزن  مجرد  محطة، إنه دفعه يمنحها لنا القدر، لنتمكن من تحقيق ما لا نجرؤ على فعله.”

من خلال سرد سلس، بعيد عن الملل، ترى عشرة حكايات، وعشرة بنات، لكل منهن شخصية وأسلوب وطريقة تفكير مختلفة، في تمكن واضح من الكاتبة. ورغم أن القهر والألم هو البطل في جميع الحكايا، إلا أن التمييز بينهم كان واضحا، ووصل لذروة الإبداع في حكايتي أم لوسيندا وياسمين، وهما الحكايتان الأقرب لقلبي، بكل ما تحملهما من إنسانية وجمال ووجع، ومهارة في الكتابة.
حتى لتتساءل كيف للكاتبة أن تعبر عن اللحظات الإنسانية لزوجين تجاوزا منتصف العمر بهذه البساطة والإحساس، وكيف تنقل لك بقوة وصدق ألم سوريا وغربة الوطن ووَحشة الذكريات، ترص لك تلك التفاصيل الحميمية البسيطة التي تُشكل وطنا؛ ولو كانت في مذكرات طفولة منسية أسفل السرير أو نجوم ملصقة على سقف الحجرة.

اختيار البيوتي سنتر كمركز للرواية جاء موفقا جدًا، تم استخدامه بشكل مناسب لكل شخصية، فكان موضعه طبيعيا ومنطقيا في كل قصة دون شبهة إقحام.
حتى شخصية “الباشا”، ربما يجدها البعض باهتة، لكنها أخذت حجمها الطبيعي مع كل الشخصيات، مُظهره جوانب مختلفة فيها، تحمل تناقضات الإنسان، وإن غلب عليه الأنانية وتقديم مصلحته الشخصية والعملية قبل أي شيء.

العمل يتناول قضايا مهمة عديدة في مجتمعنا، وهموم ربما لم تخطر لك على بال، فتتجاوز نورا ناجي بحرفية الاستخدام التقليدي لقهر المرأة في حكاية زواج بارد، وتلتقط ببراعة حكايا المهمشات، لترى إنعكاسا للمجتمع بكل أمراضه الجماعية.. وفضائله الفردية.

ورغم الألم المسيطر على الأحداث، إلا أن الأمل في الخلاص حاضر دائما، متمثلا في شخصية نادية، الفتاة الشفيفة الغامضة، التي تمتص أحزان وأمراض كل منهن حتى يثقلها الألم. والشخصية نفسها كسر ناعم لظلام الواقع، فكأنها ضوءً سحريًا يمتزج بحكايات الواقع الكئيب، يُبعد عنها الملل والتقليدية، ويمنحها جمالًا شجيًا. أعجبتني الإشارات المتناثرة كلما وصفت إحداهن نادية، فتدرك من أين أخذت الشعر الأشقر الخشن.. ومن أين أتتها التجاعيد.. وكيف صارت عرجاء.
وبدا لي من الطبيعي أن تكون نهايتها جثة فارغة الدماء، في رمزية واضحة لتخلصها أخيرا من كل الأعباء والأوجاع التي حملتها من بنات الباشا.

 “عطب  الروح  يحدث من كلمة واحدة، من فعل واحد، من موقف، ربما يمر مرور الكرام وقتها، لكنه يظلّ هناك كامنًا، ليخرج هكذا، في ميلة رأس على عنق، في موتٍ مفاجيء.”

رواية بنات الباشا من الأعمال التي تقرأها؛ فتقرر أن تنتظر بشوق كل عمل جديد لكاتبتها الموهوبة.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«طرف الحبل» نص لـ «أمينة حسن»

نص: أمينة حسن             يمكنك أن تتدلى من أقصي طرف …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend