الرئيسية / بوك ريفيو / ندى القصبي تكتب: «خرائط يُونس» خطوات هادئة نحو النهاية

ندى القصبي تكتب: «خرائط يُونس» خطوات هادئة نحو النهاية

بقلم: ندى القصبي

إنّي أحتضر.

السطر الأول.. السطر الأول في الرواية هو ما أقرر على أساسه، هل يمكنني السير في هذا الطريق، أو أن عليّ التراجع؟. كنت أتخبط منذ يومين، أقلّب بين الصفحات الأولى لعدة كتبٍ جديدة، أبحث عن شيءٍ أجهله. عن سطرٍ أول يمكنه سحبي من هذا الفراغ.
” إنّي أحتضر”، كيف يمكن مقاومة سطرُ أول بهذا الشكل، عليّ أن أعرف بالتأكيد من هو الذي يحتضر، ولماذا يحتضر؟ ولمِ عليّ أن اهتم إن كان يحتضر أو لا؟

” مُمدَدُ هنا، في مجرى ضحل لنهر، يقارب كلانا الموت.”

كانت السطور الأولى كافية أن لا أغادر، هذه لغةُ تأسرني وأنا أعرف ذلك. وهي ليست بتجربتي الأولى مع الكاتب، كنتُ قد قرأت له ترجمتين لعملين عالميين قبلًا. لكني رغم تجربتي مع لغته اللذيذة، كان عليّ الخشية من أن يكون إعجابي به كان تحت تأثير عمل عالمي، وأنه ربما لن يكون على نفس القدر من التأثير إن تُرك له القلم ليكتب قصته الخاصة. ولكني كنت مخطئة للغاية، لم يستطع “محمود حسني” أن ينسج قصته الخاصة بتماسكٍ وحسب، بل استطاع أن ينتزعني انتزاعًا من عالمي الاعتيادي، وجرجرتي لعالمٍ لا أفهمه، تاركًا إياي أغوص في نهرٍ جف ماءه، وجزيرةٌ أصابها العطب من حيث لا تدري! وأن أتمسك بدفتي الكتاب دون أن أهرب لأي سبب. وأن أرغب في الكتابة حتى لا تهرب القصة قبل أن أوثقها داخلي.

لماذا أريد أن أكتب عن هذه الرواية؟
حسنًا، ببساطة لأني أريدكَ/كِ أن تقرأها/يها. لا أريد أن تنتهي هذه التجربة الآن، لأني أغلقت الكتاب. أريد أن أظل متمسكة بخيوطها قدر المستطاع، فأتحدث عنها وأخبرك عن بعض أسرارها المتاحة التي لا تمس قراءتك الشخصية لها، فأظل هنا لوقتٍ أطول. لأني وعليّ أن أعترف أفتقد ” يونس”، والعودة للرواية لا تجبر هذا الاشتياق، لكن ربما بشكل ما يجبره الحكي عنه.
.
(خرائط يونس) هو العمل الأول للكاتب الشاب (محمود حسني)، بعد ترجمته للـ (العجوز والبحر – هيمنجواي)، و (اللؤلؤة- جون شتايبينك). ويمكنك أن تخمن تأثره الأدبي، من خلال الأعمال التي اختار ترجمتها، أو الأعمال التي ذكرها عرضًا خلال أحداث الرواية.
في بداية القراءة، شعرت بروحٍ من رواية (العمى- سارماجو). وقبل أن يتملكني هذا الشعور كان ( يونس) يمسك برواية العمى ويحاول جاهدًا الحصول على اجابة داخلها. تلك اللحظة التي بدأت أخلط بيني وبين يونس. وربما كان هذا السبب الذي جعلني أحب القصة، لأني بشكل أو بآخر شعرت أني أنتمي لها رغم عالمها الغير منطقي.

(الشخصيات)

يونس هو بطل القصة، ليس الوحيد ولكن إلى حدٍ ما تدور الأحداث من حوله، وهو أسلوب أفضله شخصيًا في الروايات القصيرة، الراوي العليم، وعدد الأبطال القليل.. فتبدو الحكاية أكثر حميمة وأقرب للتصديق.
بجانب يونس، هناك البطل الموازي له وهو (الحوت) بلسانٍ متكلم، مما يجعل تنقل الحديث بينه وبين يونس بسلاسة ولطف، مما يمهد للعلاقة بينهما.
خلال قرائتك للرواية لن تملك إلا أن تعرف يونس بشكلٍ أدق، تستمع للموسيقى التي يسمعها، وتتأمل عينيك اللوحات التي يمر بها بعينيه، وتركض محمومًا باحثًا عن الأمان بين سطور الكتب التي تألفها. بشكل ما أصبح يونس صديقٌ أستطيع أن أحادثه، وأريد أن أعرف إلى أين يصل؟

(الأحداث)

رسم الأحداث، والوصف المنطقي للجزيرة، هو بشكل ما السبب الذي جعلني أندمج بسهولة مع سيريالية الأحداث التالية. تدور أحداثها في جزيرة ذات طبعٍ مختلف، فقدت بعض روحها، وبعض لغتها بشكلٍ ما، تبدو كأي قرية تعرفها كقارئ وتدرك أنها سلبت أجوائها الخاصة.
” جزيرةُ بثلاثة أضلع، الأوسع جهة الخليج المنفتح على البحر، وملاحات شاسعة أقرب لمستنقع شديد البياض تملأ الضلع الشرقي للجزيرة، ووريد نهر شرد، حتى وصل المكان، مسّجلًا مرور الوقت بين الجزيرة وبقيَة جسد المدينة، حتى مصّب عذوبته في المياه غير العميقة للخليج الدافئ أعلى شمال المدينة.”

(اللغة)

عليّ أن أعترف أني ضعيفةُ أمام اللغة، اختيار الكاتب للكلمات، وتمكنه من اللغة بما يكفي لأن يصف حتى أصدق. حتى أنسى من أنا وما الذي أفعله الآن، فأنا في لحظةٍ يونس، وفي التالية علا. أشم رائحة البحر، وتضطرب دقات قلبي، وأخاف. دعني أعطيك مثالًا، أثناء وصفه لغروب الشمس: ” كانت السماء قد نزفت كلَ ما بها، وحلَت العتمة رويدًا رويدًا تلفَ الوجود، مناسبة بين جنبات يونس، موغلة في فضاء الغرفة، مبتلعة الأشياء كلها”.
أعدت قراءة الجملة عدة مرات، وقعت في أسرها، أستطيع الآن بسهولة أن أشعر بالضوء الذي اختفى، وبالبرودة التي حلت بالجزيرة، بكل خطوةٍ يخطوها يونس، بتنفسه. بخوفه، وجزعه. كل ماعليّ هو أن اقرأ.
ربما ليس لرأيي هذه الأهمية، لكني أعتقد أني إذا رأيت ما يصفه الكاتب، فقد تحقق ما يريده. ومايريد الكاتب غير أن يرى القارئ ما يريد له أن يراه ؟

تمر أحداث الرواية بإيقاعٍ هادئ غير مفهوم، لكنه مقنع بما فيه الكفاية أن تصدقه وتبحث وراءه عن الأسباب. بين حوتٍ عجوز يوشك على الموت، وجزيرة تإن بلا سبب. ويونس الذي هرب من ألم قلبه للجزيرة المعزولة، كي يحيا حياةً هادئة رتيبة، لا تذكره بأي شكل بما فقده في المدينة الأقرب له. وخلال سبعة أيام هي زمن الرواية، يحدث كل شيء.

(النهاية)

أنا لا أقرأ مراجعات الكتب، لماذا؟ لأن بها تعدٍّ على قراءتي.. فإذا ماعرفت مالذي يحدث من خلال مراجعتك؟ لم عليّ أن أقرأ الكتاب؟
ولأني ذكرت أني لم أكن لاكتب إلا لرغبتي أن تقرأها، فلن أتحدث عن النهاية.. يمكنني أن أقول أني أقف أمامها بحيادٍ تام، غير قادرة على تحديد مدى تأثري بها. لكنّ هذه تفاصيل لا تهمك، إنها تهمني وحدي. يمكنك تحديد رأيك عن النهاية وحدك. لأني أثق بشكلٍ ما أنها ستترك أثرًا مختلفًا لديك.
كل ما أريد قوله، أنها رواية لن تأخذ من وقتك الكثير بصفحاتها المئة وأربعون، وتستحق هذا الوقت القليل.

“أيتها الأدراج الواهنة التي لن أطأها،
فليرفع المغيب محبرته،والرياح أقلامها” – سليم بركات

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend