الرئيسية / شِعر / جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

بقلم: محسن البلاسي

الظل المحمول
حياة فاترةٌ في عين الشائخين
مؤلمةٌ في عين الموتى
ومحتلـّو الغد الذين لا جدوى منهم
يرتسم ظلّهم سلفًا في الضباب المؤخـّر النـَّبـْر
أي برج أن ندافع
أي رواق أن نتجنّب
أرى رماحًا منتصبة فوق قبري
سيولاً حجرية
رمادًا يجرؤ على الأنين
لهيبٌ شرّيرٌ يـَلـْعَجُ على السجادة يديك اليمنى
ثمّة فواتُ أوان على الدوام في عين اليائسين
سيّما أنّ الأمر يتعلق بالانتظار……

جويس منصور:

تُعد جويس منصور من أهم فراشات الشعر السريالي في العالم، لكنها لم تأخذ حقها في الذاكرة الأدبية المصرية.

وُلدت جويس منصور في بريطانيا عام 1928م، وانضمت للحركة السريالية العالمية بعد صدور ديوانها “صرخات” وظل قلمها  السريالي يُنير أحلامنا؛ حتى غادر جسدها عالمنا عبر بوابة السرطان اللعينة عام 1986م، بينما خلد انتاجها الأدبي الذي أصبح وسيظل محط أنظار الباحثين والنُقاد وعلماء الأدب من كل أنحاء هذا الكوكب الذى نعيش كوابيسه وأحلامه السريالية… أنجب تيه العالم بعد الحرب العالمية الثانية رصاصات جويس منصور الشعرية… فاح عبير حروفها الثائرة في صالون الشاعرة “ماري كافاديا” في الزمالك، حيث قابلت الشاعر السريالي المصري “جورج حنين”.

جويس منصور -الرياضية- بطلة مصر في سباق المائة متر والقفز العالي.

ذات يوم وصفت جويس منصور انتاجها الشعري بجملة قصيرة جدًا “كل هذا يجعل مني سيدة غريبة.. ربما!”

شِعر جويس منصور:

الجسد والرغبات غير المحدودة  هي ميادين الثورة عند جويس منصور… تحطم أغلال القهر بكل أشكاله عبر ميادين الجسد. الرغبة عند جويس منصور هي الثورة على العجز، كان حلمها الأكبر أن يتشبع العالم بالرغبة ليثور، والموت عندها رغبة للألم وهو في منظورها رغبة تقدمية تُهدَّم لتبنىّ.

روضت -جويس منصور- صوفية الجسد لتخلق دروبه سماوات وحشية ثائرة، لم تفكر في شيء سوى الثورة الشعرية في عالمها المعاصر.

يقول المؤرخ السريالي الفرنسي “جاك جاك لوتي” عن انتاج جويس منصور أنها تأثرت بالتصوف اليهودي في شعرها وأن دمجها العنيف للجسد بالحب والموت والسخرية القاتمة كان مقصودًا واستفزازيًا ليدهش ويصدم مجتمعها.

لم تهتم جويس منصور بتزيين أو تزييف مصطلحاتها، بالعكس كانت تضعها كما هي على طبيعتها دون أي خجل، لكنها صورت الجسد بصوره الحسية الملموسة بلا تجميل، واستخدمت بربرية الرغبات لتضع تصورها عن الألم والحب والرغبة والإحتياج، فكل شيء مشروع من أجل الجسد -الإنسان- فتحررت من البحث عن ما هو يقين جامد، واتجهت للتوحد الكوني مع جسدها؛ مُسَخَّرة كل الرغبات الجسدية المجنونة للثورة على ما هو سائد، وهو ما يبتعد عن مفهوم الإباحية التي تم وصف انتاجها به، واتصلت بما هو مشتعل داخل الجسد الإنساني، بترددات حارقة وببواعث تخريبية تحدق عن كثب في الشهوات مفتوحة المدى، مروق شامل عن منطق القواعد المكبلة وبعيدًا عن عقلنة التشذيب المتعارف عليها، كلماتها كانت خارقة لكل الدروع الأيدلوجية والدينية، مزقت الأسلاك الشائكة ولعقت أصفادها فأذابتها.

باريس

سافرت إلى باريس مع زوجها رجل الأعمال المصري “سمير منصور”، وهناك في مدينة النور، جمعتها صداقة قوية جدًا بعراب السريالية “اندريه بريتون” وصلت لحد وصفها بكاتمة أسراره وشاركته في تنظيم  الكثير من الفعاليات والمعارض ومجلات الحركة السريالية  الثورية في باريس آنذاك.

لها موقف شهير يُعَبر بالطبع عن انحيازها الفكري والإيدولوجي والاجتماعي، حين ركلت الرسام “سيكويروس” خلال المؤتمر الثقافي الشهير الذي انعقد في كوبا عام 1968م، بسبب مشاركته في محاولة لاغتيال “تروتسكي”.

نعم هي الارستقراطية التي إنحازت للإنسانية ومشاكلها وتناقضاتها في تخبط ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعَبرت عن ذلك بثورة تحطيم القيود المجتمعية في قصائدها الثائرة في هذا الوقت.

في عام 2015م، بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا على رحيلها جسدًا، أقام  متحف “كي برانلي” في باريس معرضًا لأشعارها ومقتنياتها الشخصية، باعتبارها واحدة من أبرز الكُتاب والفنانين السرياليين في العالم، الذين نحتوا اسم الحركة السريالية الخالدة أدبيًا وفنيًا وفكريًا.

وقد قام بترجمة أعمالها إلى العربية، “بشير السباعي” في كتاب صدر عام 1997م، عنوانه “أفتح أبواب الليل” يحتوي على ثلاثة دواوين لها هي “صرخات، تمزقات، واقتباسات”.

تلك ومضة من ومضات “جويس منصور” من داخل كتاب “أفتح أبواب الليل”

النجارُ العجوز يعمل نهارًا وليلاً
دون أن يرفع عينيه الشاحبتين، عينيّ الأرنب
دون أن يريح جسده الشائخ، جسد الضفدع
دون أن ينتبه إلى أن يديه هما ما ينشره
أنه يُنجّر في لحمه
دواليبي ذات الأمتار الخمسة المصنوعة من البلوط المطلي بالأسبيداج

وهذا خطاب من “أندريه بريتون” لـ جويس منصور يقول فيه:

أحب سيدتي عبق الأوركيدة السوداء “البالغة السواد” الفواحة من قصائدك، كان قد أثار انتباهي إليها عمود في جريدة “كفاح” بقلم “آلان بوصكي” صدر منذ أيام، أمام موقف كاتب العمود منها لم أرتب قط في أن أفضلها كثيرًا على تلك القصائد التي أطري عليها، فبدأت للتو أبحث عن ذلك المغلف المبعوث الصغير، ربما يكون ضائعًا وسط مغلفات أخرى تصلني ويحدث أن ألا أفتحها، لكن لا من حسن حظي أن ثمة سحرًا استشعرته في حالة مثل هذه، لم يصلني، أو لتقولي: كأن لم يصلني بعد. وقد قرأته دفعة واحدة هذا الصباح، وسأعيد قراءته بين الفينة والأخرى بطريقة تليق به، لقد تركت في هذه الكلمات “كلمات الإهداء” أثرًا كبيرًا، كتابتك التي كانت لُطفًا منك أن ترفقيها بالديوان، لا أحب إلا الجنية، وها أنت قد بعثتها من جديد، بينها جميعا، القصيدة التي تفتتح الصفحة 24 خلابة، أقبل يديك، لعله تناهى إلى علمك أنه في خصامي مع “جورج حنين” للأسف، لست أنا ولا حتى هو -ربما من رغب في ذلك.

أندريه بريتون 42 شارع فونطين

أحمد راسم:

يُعد أحمد راسم من أهم الشعراء العرب الذين كتبوا بالفرنسية على مدار تاريخ الشعراء العرب الذين كتبوا بالفرنسية، وقد تطور الشعر الذي كتبه شعراء عرب باللغة الفرنسية من أواخر القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين، وامتدت ظاهرة كتابة الشعر بالفرنسية من الشعراء العرب من مصر ولبنان؛ وتأصلت أكثر في الجزائر وتونس والمغرب، فنجد أكثر من مائة ديوان شعر لشعراء عرب كُتبت بالفرنسية إلى جانب الإنتاج النثري، وكلها كانت في المستوى الحداثي والتقدمي للأدب في فرنسا في هذا الوقت، ومن أبرز هؤلاء الشعراء هو الشاعر أحمد راسم.

وُلد الشاعر المصري الفذ “أحمد راسم” بالإسكندرية في عام 1895م، من أصول شركسية، وتأثر ثقافيًا في البداية بجدته “رينجيجيل” وحكاياتها الرومانسية عن الطبيعة الساحرة وحكاياتها عن عوالم الحريم في قصر الخديوي، كما استقى الثقافة المصرية على يد مُربيته السمراء “زُمبُل” التي أطلعته منذ صغره على الثقافة الشعبية المصرية، وهو ابن خالة وزميل صبا رائد الفن التشكيلي المصري “محمود سعيد”.
تلقى أحمد راسم مراحل التعليم الإبتدائي في مدارس الإسكندرية الفرنسية، وأتم دراسته الثانوية بمدرسة رأس التين الثانوية، ثم التحق بمدرسة الحقوق الفرنسية بالقاهرة، حيث حصل على إجازة في القانون، إضافة إلى تلقيه دروسًا في الرسم والتصوير بمرسم الفنان أرتورو سوزانييري بالإسكندرية بصحبة الفنان محمود سعيد وإبراهيم راتب وسباستي، كما كان له اتصالات بالأوساط الأدبية الأوروبية عبر إجادته للغة الفرنسية، ثم قام بنشر قصائده في صحف مصرية باللغة الفرنسية مثل صحيفة مصر الحديثة والصحيفة المصرية الأسبوعية.

أتم أحمد راسم العشرين من عمره، حيث اطلع على الكثير من أعمال الشعر  الكلاسيكي العربي والفارسيي والهندي واليوناني واللاتيني، بالإضافة إلى قدر كبير من الشعر الحداثي الشرقي والغربي، ووقتها نشر كتابه الأول بالعربية عام 1916م، وكان عنوانه “الدين والإنسان” وقد كان عبارة عن حوار قصصي بين فيلسوف مادي وشاب روحاني مؤمن، كما وضع في الكتاب نظريات فلسفية وعلمية، ورسخ لاهتماماته الفلسفية والفكرية في هذا الكتاب.

في عام 1922م، تم نشر المجموعة الشعرية الأولى له بالعربية بعنوان “البستان المهجور”، حيث بدأ بعد ذلك بكتابة الشعر باللغة الفرنسية. وفي عام 1926م، قامت دار نشر “رسائل الشرق” الباريسية بنشر مجموعة شعرية باللغة الفرنسية تحت عنوان “كتاب نيسان” تتضمن قصائد بها قدر كبير من النثر وكانت موجهة لحبيبته.

وقد كتب الناقد الفرنسي أيليان فينبير مقدمة نقدية لمجموعة كتاب “نيسان” لأحمد راسم كتب فيها: “كان ذلك فيما أذكر بناحية المكس بالإسكندرية، في البيت الريفي المنفرد الذي سكنه الشاعر هنري تويل، حين سألني هذا الشاعر مرة، هل تعرف أحمد راسم؟ ألم تلتقِ به قط؟ يا له من نخلة بديعة! لقد عرفت راسم بعد ذلك، والحق إن له قامة من أروع قامات بلاده، قوام ممشوق كأحدى النخلات التي تحف بضفاف النيل، غير أن هناك ما هو أكثر فقد ترامت النخلة إلى ما هو أبعد من جسدها، وإلى ما هو أعمق من روحها، وأمست سمة فحسب، وتحولت إلى مصنع عجيب تدور فيه ألف آلة تكرير، واتخذت الحياة الداخلية منها هذا القالب، وصدرت هذه العاطفة المنظومة مباشرةً من هذا الجذع.

وفي نفس العام، كان اليوناني “ستافروس ستافرينوس” قد أسس في القاهرة مجلة “لاسومين إيجيبسيان” وقد كان أحمد راسم من أهم من شاركوا بإبداعهم في هذه المجلة.

وفي عام 1928م، أصدرت مجلة “لاسومين ايجيبسيان” عددًا خاصًا عن إبداع ونبوغ أحمد راسم، وتضمن العدد، مساهمات نقدية بأقلام “فيرنان ليبريت” و”ثيو ليفي” و”جيوفاني موسكاتيللي” ومقدمة بقلم الناقد الفرنسي “جوزيف ريفيير” ورسالة من الشاعر اليوناني السكندري الشهير “ك. ب. كافافي” إلى “ستافرينوس”، رئيس تحرير المجلة، أعرب فيها عن تقديره البالغ لإبداع أحمد راسم الشعري.

وفي عام 1930م، نشرت دار “لاسومين إيجيبسيان” مجموعة شعرية لأحمد راسم  بعنوان: “وتقول زُمبُل ثانيةً”، أهداها لذكرى مربيته “زُمبُل”. تلاها بعد ذلك مجموعة شعرية أخرى تحت عنوان: “قدت حماري”، ونشرت له دار “لاسومين إيجيبسيان” مجموعة قصائد نثرية أخرى تحت عنوان: “ناسك عتاقة”.

وفي عام 1932م، قام أحمد راسم بنشر ترجمة فرنسية لمجموعة من الأمثال الشعبية العربية تحت عنوان: “قلادة العجوز زُمبُل”. وفي عام 1934م، قام بنشر ترجمة فرنسية لألف مثل عربي تحت عنوان: “عند تاجر المسك”.

وبعد ذلك، نشر أحمد راسم مجموعات شعرية أخرى، حمل  أغلبها أسماء نساء ارتبط بهن وأحبهن. بالإضافة لنشره صورًا أدبية للعديد من معاصريه من الأدباء والفنانين العالميين والمصريين والفرنسيين، كما كتب سلسلة من المقالات عن أعمال فنانين تشكيليين مختلفيين، وقد جمعها فيما بعد في كتابه: “يوميات رسام فاشل”، الذي يُعد مرجعًا هامًا في النقد التشكيلي المصري.

وفي عام 1953م، ظهر بالفرنسية في الإسكندرية كتاب للناقدة الأرمينية “ليزيت إينوكيان”: “أحمد راسم، شاعر عريق ورقيق”، وقد كرسته لتحليل تجربة أحمد راسم الشعرية.

وفي عام 1954، قام  أحمد راسم بنشر مختارات شعرية من أعماله في مجلد كبير. وفي عام 1955م، نشر مختارات من أعماله النثرية. كما صدر بالفرنسية في الإسكندرية محاضرة الناقد إدوارد جميل: “أحمد راسم، بستانيّ الحب” والتي كانت قد ألقيت في أبريل من العام المذكور.

عَرف “أحمد راسم” عن قرب شعراء الفرنسية المصريين: “محمد خيري”، “فولاذ يكن” و”جورج حنين”، وسجل ذكريات عن “محمد خيري” و”فولاذ يكن”، كما عرف عددًا من شعراء العربية المصريين معرفة شخصية وثيقة واحتفظ بأواصر صداقة متينة مع الشعراء الأجانب المقيمين في مصر، خاصةً “راؤول بارم” و”جان موسكاتيللي”.

تولّى أحمد راسم العديد من المناصب في السلك الدبلوماسي المصري، فكان مُلحقًا ثقافيًا في إيطاليا وأسبانيا وتشيكوسلوفاكيا، وأقام فترات في باريس ومدريد وبراغ، ثم انتقل إلى العمل في السلك الإداري، فأصبح السكرتير العام لمجلس رئاسة الوزراء بعد عودته إلى مصر، وكان في وقت من الأوقات وكيلاً لمحافظ القاهرة، ثم تولى مهام محافظ السويس.

كان  أحمد راسم قد رحب بسقوط الحُكم الملكي. بل كان مؤيدًا في البداية “ثورة يوليو” وغداة وفاته في عام 1958م، رثاه “جورج حنين” رثاءً مؤثرًا وموحيًا. وفي عام 1959م، أصدرت مجلة “لا ريفي دي كير” عددًا خاصًا عن حياته وأعماله.

وفي عام 2007م، نشرت دار “دينويل الباريسية” مختارات من أعمال أحمد راسم، قام باختيارها وتذييلها وإعداد جهازها النقدي “دانييل لانسون”.

نشر أحمد راسم أعماله في نُسخ محدودة (500 نسخة على الأكثر للعمل الواحد) كان يوزع أغلبها على أصدقائه ومحبي شعره.
وكان الشاعر “جان موسكاتيلي” قد كتب في تقديمه لمختارات من شعر أحمد راسم في كتاب “شعراء من مصر”: أحمد راسم أكثر الشعراء مصرية من بين من كتبوا بالفرنسية وأكثرهم شهرة وشعبية، وإن المرء ليكتشف في مؤلفاته المتعددة عن بواطن بلاده، حيث لم يتفن سواه من قبل بغير ظواهرها، وكان دائمًا يوفق بين آراء القدماء والمحدثين في تنازعهما الدائم، بأن يقدم منها مزيجًا مقبول المذاق، أو كما يقول: “إيليان فينبير”، مزيجًا من الثقافة الإسلامية الرفيعة ومن ثقافة الغرب الأقل شفافية، وهو إلى جانب عمله الشعري جمع نحو ألف مثل شعبي عربي ترجمها إلى الفرنسية، وقام بهذا العمل في غيرة ودقة وأرضى به عشاق الأدب الشعبي المهتمين به في بلاده، وإذا كان شعر “أحمد راسم” يُذَّكر “فينبير” بشعر الشاعر الفرنسي “فيليب سوبولت” فالواقع في شعر أحمد راسم، شرقية تُذَّكر بـ “حافظ الشيرازي” و”الخيام” مع فرض أنهما تزودا بقراءة الشعراء السرياليين في باريس.

وفيما يلي نص لأحمد راسم من كتاب “نيسان” الصادر عام 1927م:

أتى من لا يعتقدون بالمعجزات إلى

براغ لرؤية أحمد

يمشي على مياه النهر

في سماء من اللآلئ المسحوقة

شمس كما الجرة

تنزلق

نظرت إليها

طويلاً وأخذتني الشفقة

من إله المطر

يشبه المنظر هذه الأقلام الفحمية التي محاها الزمن، والتي نجدها أحيانًا في صناديق الورق المقوى القديمة مع صور الآباء المتوفين

طلاوة صوفية تزهر كل شيء وتحلم بالأصوات الصدئة لعجائز يتبرعن، تحت نشوة الزجاج الملون، بإلقاء تراتيل ناعمة وصافية للسيدة العذراء

حلمت ببلدي، بالوجوه العزيزة، بمساجدنا البسيطة

وأحلم بالعيون التي ظلت كذكرى العواصف التي يستدعي وميضها اللانهاية

شمس في البطن

ألفى البرد المذهل

نارها تنير أذني

في الوقت الرمادي يركض البعض

ويعلق الليل على المصابيح

حينما يأتون إلى براغ، إذا أرادوا

رؤية أحمد يعبر النهر

على قدميه

ومن كتاب قصائد من تشيكوسلوفاكيا

تعويذة حزينة

أعرف صبية ذات عينين سوداوين ويدين ناعمتين، صغيرتين للغاية، صغيرتين للغاية

أعرف صبيًا يحب الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين واليدين الناعمتين، الصغيرتين للغاية، الصغيرتين للغاية

ذات يوم، قدم سيد عجوز من عائلة نبيلة الأصول لكي يكدر السعادة الرقيقة للصبي الجذاب الذي يحب الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين واليدين الناعمتين، الصغيرتين للغاية، الصغيرتين للغاية

ومع ذلك حلم الصبي، ذات ليلة، بأن ملاكًا جميلاً وصافيًا أخذ روح السيد العجوز الذي قدم لكي يكدر السعادة الرقيقة للصبي الجذاب الذي يحب الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين واليدين الناعمتين، الصغيرتين للغاية، الصغيرتين للغاية

واعتقد الصبي البائس أن العجوز مات، وأنه سيحصل من فوره على السعادة التي يستحقها: الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين التي تمتلك رابيتين ولها يدان ناعمتان، صغيرتان للغاية، صغيرتان للغاية

بيد أن الحلم لم يكن سوى حلم وبكى الصبي كثيرًا حالمًا بالمحبوبة التي تمتلك عجوزًا ويدين ناعمتين، صغيرتين للغاية، صغيرتين للغاية

حتى توفي ذات يوم

حينما دندنت بهذه التعويذة إلى نيسان، قالت: لا أحب الكهول، أفضل الخبز، الملح وأنت، في بيت ريفي، عن كافة الأطعمة اللذيذة مع آخر

وطبعت نيسان قبلة على عيني

ثم قالت ثانيةً:

ولا أحب هذه القصور الكبيرة الفاخرة

وكانت نيسان تتكلم حقًا!

لكن

إذا رضت نيسان، ذات يوم، بأن تسكن قصرًا كبيرًا مع آخر،

فهذا لن يكون خطؤها

نحن عاجزان عن إيجاد

خلال هذا الوقت من الحياة الغالية

الخبز، الملح

والبيت الريفي

إذ إن الحلم ليس سوى حلم… ثم إنه القدر!

إذا عانى أحمد في بعض الأيام وهو يحلم بنيسان،

فهذا لأنه لم يزل يرتدي، مع مفاتيحه، خاتمًا نقش عليه تاريخًا أثيرًا

على طاولته، ساعة توسم الساعات

غير أنك تجهل جوهر حكايتهما،

لماذا تبكي وأنت تقرأ هذه التعويذة؟

قال أحمد أيضًا

ليدك الناعمة البيضاء روح الدعاء

هذه اليد الرقيقة الخفيفة،

أي أغنية محتشمة صغتها؟

كما كان لأحمد راسم رؤى نقدية فنية وأدبية وضعها في كتاب نقدي بعنوان “الظلال” نقد فيه أعمال شعراء ومصورين مثل: “أحمد صبري” و”التلمساني” و”صباغ” و”موسكاليتي” و”فيتشر” و”راؤول بارم”.

إن أحمد راسم كان من أوائل من خرجوا عن قواعد الشعر العربي شكلاً ومضمونًا بشكل جذري ففي مجموعته الشعرية “الحديقة المهجورة” التي صدرت عام 1924م، كان هناك قصيدة مركبة من كلمة واحدة وهي البحر، وقد لاقى “أحمد راسم” وقتها هجومًا نقديًا رجعيًا من معاصريه النقاد حول هذه القصيدة، وتم السخرية منه بالقول بأن قاموس المحيط كله قصائد، إن هذا هو ما يواجهه كل مبدع مجدد وثائر، لكن كان الثمن فادحًا على “أحمد راسم” فقد عاداه النقاد الرجعيين بالتجاهل والنسيان من تاريخ الشعر العربي المعاصر وهو من أهم رواده المجددين.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

إلى «رولان بارت» قصيدة لـ «رشا أحمد»

بقلم: رشا أحمد   إلى /رولان بارت سيدي بارت عفوا تأخر الوقت كثيراً هل يأتي …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend