التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

سارة البدري: [المفروض].. مأساة الكاتب!

بقلم: سارة البدري

قُلت قبلاً إن الكتاب يتشابهون في خواطر خاصة، لا يشعر بها سوى شخص يظن نفسه مُبدعًا، ويظن أنه قادر على مخاطبة الناس من خلال إبداعه هذا. لكنهم بشر يختلفون فيما بينهم، في توجهاتهم ورؤاهم، طبائعم وشخصياتهم، وحتى أهدافهم وراء الكتابة. هناك من يكتب لأنه يريد أن يكون نجما تعرفه الناس، وهناك من يكتب لأنه يهوى الأدب ويريد أن يعمل فيما يهوى، وهناك من يكتب فقط لأن فعل الكتابة في حد ذاته يشعره بسعادة أو متعة ما. وأسباب كثيرة قد لا تنتهي.. أنا مثلا أرى أن الكاتب مثل المخترعين، بل ومثل العلماء، اكتشف شيئا ما، وهو يرى أن العالم كله يجب أن يعرفه، لديه ما يقوله للدنيا، وبالتالي هو سيعمل جاهدًا على تجهيز اكتشافه هذا كي يليق بالظهور للعالم، وكي يكون واضحًا وإبداعيًا بما فيه الكفاية حتى تتقبله الأنفس.
لكن، ترى.. هل هذا السبب وراء الكتابة، صواب أم خطأ؟
بصيغة أخرى (إيه اللي المفروض يكون سبب الكتابة؟) هذا السؤال الوجيه جدا، الذكي فعلا، هذا السؤال في حد ذاته يخلق ما يسمى بـ: مأساة الكاتب.

أول ما يضيق به أي كاتب ويدخله في دوامة حيرة، وآخر ما يحتاجه في مشواره الطويل المُهلك، هو كلمة “المفروض”.
فمن الذي فرض المفروض؟.. كيف نكون بصدد الحديث عن إبداع ونفاجأ بـ: مفروض.
ولا يعتقد أحد أني أقصد فئة بعينها،، فكل الفئات وقعت في هذه الأزمة.
مثلا: (المفروض يكون النص فيه معلومات) لا يصح أن ينتهي دون أن أستفيد منه شيئا! المفروض يكون فيه عظة!
الحيرة هنا ليست في أن من حق الكاتب أن يكتب شيئا بلا معنى، الفكرة أن أحدًا لا يجب أن يدخل على قراءة النص من هذا المنظور وبهذه النفسية، وفي انتظار معلومة! والمفاجأة بقه،، أن كلمة “معلومة” أصلا مطاطة بحيث يدركها البعض ولا يدركها آخرون، أجل. فهناك معلومة فلسفية، وجودية، روحية! قد يمسك القارئ المعلومات المباشرة أو العظة بيده، ويشعر بغيرها بقلبه! أما اللفظ المجرد.. فلا يصح مثلا ذكر “التدخين والحشيش”! لا يصح ذكر “الحيض أو المضاجعة”.. وطبعًا مش المفروض أبدًا نذكر لفظ “جنس”! بغض النظر عن وجود إسفاف أو ابتذال أو حتى توظيف متقن من عدمه!

أما الفئة المضادة، فلديها ما تقوله عن المفروض -دون أن تعترف- فالمفروض ألا يكون للكاتب نية أو هدف أو رسالة وراء النص، والمفروض ألا يضع القيود الأخلاقية أو غيره على إبداعه، والمفروض أن يحرر مخاوفه ويترك الإبداع ينفلت كما يجب، بغض النظر عما كان ذلك عطل بالفعل العملية الإبداعية أم لا!
ينسى هؤلاء تماما أنهم بذلك يخلقون القيد بالفعل، وقد نطقوا كلمة المفروض أيضا.
وهذا بالضبط ما يفعله النقاد حينما يعُلمون الكتاب منذ نعومة أظافرهم أنه في الفن تابوهات ثلاثة، وأن المبدع الحقيقي ليس عليه أن يخشى التابوه! الخشية تقتل الإبداع. الكل يعرفهم طبعا: الدين، السياسة، الجنس.
وحين يجد مبدعا نفسه يتكلم بلسان شخص ملحد مجتازا التابوه الديني، أو يسب الجهات الحاكمة مجتازا السياسي، وطبعا حين يمعن في المشاهد الفاحشة حتى من دون هدف ولا تماهيا مع النص، يكون بذلك مبدعا حقيقيا، وجريئا مخترقا للتابوهات المريعة. أما حينما يتكلم عن شخصية متدينة ترى الدين أساس في حياتها وتخاف الله خوف المذنبين، رغم أن تلك شخصية موجودة في حياتنا كلنا، يقال أن ما كتب ليس من الإبداع في شيء! حينما يستطيع إخراج نص متماسك لغته عفية له موضوع -أيا كان- لكن من دون خرق جنسي واحد، ومن دون ألفاظ فاحشة، إذن فهو هش وضعيف، غير واقعي! لأن الجنس مرتبط بكل حياتنا لكننا نخشى الحديث عنه، أما الدين فليس مرتبط بكل حياتنا. ويقال أن هذا الكاتب “بسلامته” يريد أن يرجعنا للقرون الوسطى. (لازم نعاني من عقدة الأوروپيين من غير مانكون أورپيين ومن غير ما يكون فيه كنيسة بتقهرنا!)
من هنا الذي قيد الإبداع؟.. سؤال واضح لكنه عسير.
من هنا الذي وضع تابوهات؟.. ومن هو الذي فرض المفروض؟

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى