الرئيسية / إبداع / «إبراهام» قصة لـ «إسلام عشري»

«إبراهام» قصة لـ «إسلام عشري»

قصة: إسلام عشري

ربما ذاك العجوز فضولي كفاية لمعرفة طعم البرقوق بذات يوم عوضا عن إيجاد نوى المشمش بكل مرة امتدت يده إلى كيس الزبالة لنبشه، والذي ربما لا يجده، الفضول هو ما يبقينا أحياء، هو ما يبقيني حيا،هو ما يبقيه حيا.هو ما أنزلني اليوم. تركت موبايلي في البيت قطعة قرميد جافة ونزلت، لم يكن في الشارع غيري، متسلحا ببسكوت “ماري ” أسعفتني العذراء حتى الإستراحة، بعدئذ كنت أدعج أسناني من عوالق البسكوت وأنا أتخيلني موضع ذلك الصياد المبكر في القنايا، جذعه المديد بالمجداف يشقَّ لصفحة الماء وأضواء المصابيح تنعكس على جسده المنحول فتضيئه هالة من النور الخالص ، بدا كبطل إغريقي بلا حَكي، مخلفا للطريق ظهره، يمتلك العالم. قطع خيالاتي بشأنه فتاة مثل ابنتي تتبادل الضحكات الرقيعة مع صاحبها، تقول للسائق الذي خفت مذياعه بيده ” من ينقذني من علو الصوت غير سماعاتي ؟” فقلت لنفسي ” وطول الطريق من ينقذني مِن صوتكِ !”
كالعادة الشتاء عكرة المزاج غير مبررة، الأتوبيس إلى القاهرة المدينة المحمومة، المدينة المنتهكة والمنْهَكة، مدينة الوطأة الثقيلة، اجتماع الشتاء بالقاهرة على مزاجي. ذهبت إلى حلمية الزيتون، إدارة التجنيد المكتظة بالبشر، طابور طويل متخم انتهيت لقفاه، ساعتين حتى أتى دوري وأخذت الورق المنوط بي، يوم جيد لتذكر القلم، دونت بياناتي، صعايدة بتلافيعهم طلبوا مني ملء استماراتهم، كنت سآخذ إياها وابتكر لكل منهم اسما جديدا ” أم الخلول أيمن إبراهيم ” – “محمد بولس ” “البطل أحمد عبد العزيز “، ولكن شرِّي لم يصل بي إلى هذه الدرجة، ولم أفعل مثل الرجل الذي أخذ منهم فلوس لملء إستماراتهم وهم يمتلكون بالكاد حق الرجوع، تركت لهم قلمي ومضيت.
خرجت أترنح، كوب قصب كان بطل يومي، تحميل عربة الدلنجات في ذلك الوقت كتحميل الإنترنت خاصتي، الإسكندرية إذن، طريق إسكندرية استغرق ثلاث ساعات، عقرب ساعتي وقف كأنه لُدِغَ بمكانه هو الآخر، مشوار إلى المكتبة يُنسي كل شيء، تعرفت على أحد الشباب بها، شاب صغير هو، كنت قد رأيته بمرة سابقة، مهتم هو بالكتب الفكرية على عكسي أنا مهتم الروايات والتوافه. بثانوية عامة هو، قال لي بأن حلمه دخول كلية هندسة، كنت أرى فيه صورة لنفسي، سيكون بكلية هندسة وحيدا بلا أصدقاء بلا حظوة بلا نسوة، تحدثنا مطولا عن الأدب استفدت منه كثيرا في حين لم يستفد مني سوى القليل. مضيا إلى الموقف تركته.
” شفت حبة صغيرة، جنبك ” رجل يشبه بهاء طاهر ولكن أكثر تجاعيدا مني يقصدني بالحبة الصغيرة، لن أدافع عن نفسي، ظهر عليه أنه رجل لِمِض، عمل موالا من جمع الأجرة، مسلي كاللب الأسمر لا تسأم منه، فاتني جزء تكلم فيه عن الرقية الشرعية، كان تليفونه لا يتوقف عن الرن كسنترال السبتية، تناسيت كل هذا وما أذكره كلمة البدأ..
” نقرأ الفاتحة،قبل الطريق” قرأنا الفاتحة وأنا أصحب معي إنجيل !
كنت قد قرأت أجزاء من الإنجيل بي دي إف، ولكن أردت نسخة كاملة منه بدلا من تمقيق العين، كنت قد طلبته من صديق لي وكنت سأعطيه نسخة من القرآن ولم يحر لي جوابا أو لعله نسى، ولم تصادفني للأسف حملة تبشيرية في أي مكان، أذكر منذ عشرين عام أني كنت أكتفي بالمزاح وقتما كان يهبد باب دور المدينة الجامعية أناس تدعونا لصلاة الفجر ويوقظني زميلي وأنا أثلث وأصَلِّب بافتعال ويقوى على قول ” ألم أقل لكَ يا جورج أن تعلق الصليب ظاهرا في مدخل الغرفة ؟ ” أو الأوقات اللطيفة الذي كان يفتعلها صديقي وكان يوشم رسغه بصليب يكحته بعد لحظات بإيقاعه لإحدهن، ولكن أنا أو صديقي لسنا على شيء مقارنة بإبراهام، إبراهام كان وغدا حقيقي، وغدا أكثر مني. الأمر بدأ عندما كنا أطفالا نلعب كرة في الوسعاية أمام بيتنا وقت فراغنا من الواجب، أنا ومصطفي الوحيد الذي أتذكره من شلة المصيف- والذي لا أعرف الآن أين أراضيه- وجاء إبراهام – أو إبراهيم – وقتئذ وكان أكبر منا سنا وشاركنا اللعب، ثم أصبح لا يفارقنا، أصبح صديقنا الصدوق حتى أنه أمّنا في صلاة العصر بمرة إلى يوم، بيوم مصطفي عرض عليه دخول المسجد الجامع بالمصيف، فتوعك إبراهيم عند الباب فجأة ومضى لبيته، اليوم التالي أشاع محمود أن إبراهيم مسيحي واسمه الحقيقي إبراهام !
” محمود، هتتبلى على الراجل، دا مبيفوتش فرض !، وبعدين إيه إبراهام ده، في حد يسمى ابنه إبراهام ! ” كانت أخر معلوماتي وقتها قد توقفت بإرتياحية عند إبرهة الحبشي، في اليوم التالى لذلك قررنا مواجهة إبراهام.
مصطفي متذاكيا ” سمي الله، قل الفاتحة ” كرها كرَّها إبراهيم، ثم أتبع “قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤ أحد ” أنا ومصطفي مأخوذين.
إبراهام حانقا ” أقولك الكوْثر بالمرة ! ” وغد حقيقي، شهران كاملان، أفتى إبراهام خلالهما بإفطار كل من يبتلع ريقه أثناء الصيام، وحدثنا عن الأقانيم تبعه على أنها أحاديث نبوية، وصلى إماما بنا عدة مرات لنكمل اللعب دون الرجوع إلى الجامع. هذا مع عرفناه بعد انتهاء أجازة الصيف قبل عودتي للدلنجات، بعد أن لعب إبراهام في معتقدتنا الصغيرة بمَفِك، ولكن إن أظهر هذا فإنه من المؤكد تنصت أثناء الصلوات واحتفظ بالأمر لنفسه، أو من المؤكد أنه شمَّت أحدهم بعد عطسة، أو ربما قرأ القرآن هو لآخره، سامحه الرب ربما أمسى قسا الآن.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«قصتنا التاريخية» قصة لـ «أحمد سعيد نيجور»

قصة: أحمد سعيد نيجور في الثانوية العامة عادة كنت أصفف شعري على جنبٍ، أرى العالم …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend