الرئيسية / إبداع / «الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق
سفيان البوطي/ المغرب

شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ صْعِيبْ”. هكذا كانت جدتي الطاعنة في السن تلخص كرهها لهذا الشهر.
طيلة حياتي التي لم تتجاوز الثلاثين سنة، لم آبه يوما بهذا الحديث، كنت أخاله موعظة من مواعيظ جدتي التي أصبحت تدمن الكلام مع الكل، سواء كان محادثها طفلا أو شيخا. لم أتصوره بهذه السخونة الدافقة، وبهذا الحجم الكبير من الدفء العاصف.
بدأ وعيي بفلسفة الحاجة “كنزة” منذ عشر سنوات خلت، حين كنت أعيش عنفوان نجاحي في شهادة الباكالوريا، حين أصبحت حديث العائلة ومحط اهتمامها.
يحكى أن سبب كره جدتي “كنزة ” لأغسطس يعود إلى قصة حب أسطورية جمعتها بأحد أبناء أعيان مدينتها، حين كانت في نضارة شبابها، وفي قمة جمالها. بالضبط حين قرر هذا الشاب حُبها، وضرب عرض الحائط أعراف عائلته الغنية بالزواج منها.
يومها كانت جدتي كما حكت لي الوالدة ذات طفولة، لا تفقه شيئا في هذه الأعراف الظالمة، فقط كانت ابنة رجل قروي التحق للتو بالمدينة، مدشنا لنفسه بداية تحقيق حلم راوده بأن يصير حضاريا غنيا، بمجرد تجاوزه آخر أرض تعود لأجداده بالقرية.
وبعد أن تطورت قصة حبهما، وأصبحت على لسان كل فاه، بدأ يكبر عندها هذا الكره. حيث قرر أب عشيقها في لحظة غضب عارمة، أن يوقف هذا الحب البدوي الذي قد يهدم سمعة عائلته، فلم يتردد برهة في أن يتدبر أمر تذكرة سفر لابنه الوحيد إلى جنوب إسبانيا، إلى إشبلية حيث تمتد عروقه الموريسكية هناك.
وفي مثل هذا اليوم من أحد أيام هذا الشهر من سنوات مرت، اُرغم “وليد” محبوب جدتي على السفر حيث خطط له أباه. ليصل خبر ذلك بعد أيام قليلة إلى مسامع الحاجة “كنزة”، فتدخل في هيستسريا بكاء لم تتوقف منها، إلا يوم بعد دُخلتها رفقة جدي “الطيب”.
لكن، لم أتصور اليوم وأنا في محنتي هذه، بأن “وليد” بذرة حب فاشل أخذت تينع لتصير شجرة مشؤومة أتذوق ثمارها بمرارة قاسية.
اليوم وأنا أتذكر “جاكلين” ابنة خالتي الفرنسية، أعي جيدا الحالة الحانقة التي مرت بها جدتي “كنزة”. أقترب كثيرا من نبض قلبها الذي دُمي منذ سنين خلت.
كيف لا؟. وأنا كذلك تذوقت مرارة الفراق شهر أغسطس، مرارة ساخنة تجتاح الدواخل بحرقة لا متناهية.
منذ اليوم الأول لقدوم “جاكلين” من فرنسا إلى منزلنا الكبير، لمحت شعلة حب بادية في عينيها، ارتعشت لسلامها، ذهبت مهرولا نحو سريري بعد قبلتها الحالمة.
إن أكثر ما يثيرني اليوم، هذا الكم الهائل من الحب الذي تولد لدي اتجاهها في أول لقاء، وهذا الإعجاب الخرافي بملامحها الغربية الفاتنة.
كانت جاكلين يومئذ ترتدي فستانا سماوي اللون، قصير حد الركبة، جميل جدا. زاد من جماله بياض بشرتها المشعة، وقدها المنحوت ببراعة فنان إيطالي عاد اللحظة من ثورة إيرازم.
عيناها الزرقاوتين أوحيا لي عالما من الحب في السماء، كانت “جاكلين” يومها إلاها جديدا خلق لأعبده. فكان شهر أغسطس شهر خصوبة حبنا، وموعدا لتعاسة عاجفة أبدية، لم أتوقع ضلالها شديدة الظلمة إلا اليوم.
“بدر”… أوغوفواغ، غدا موعد العودة… إلى فرنسا. حيث دراستي، وأحلامي. شاكرة لك هذه اللحظات الصيفية الساخنة، وممتنة كثيرا لأحاسيسك الصادقة… هكذا أخذت “جاكلين” تصيغ آخر جمل وداعها النهائي لي، وداعها الذي أعصف بشجرة، كانت بذرة منذ سنوات مضت.
وأنا أكتوي بلهيب هذا الشهر الحارق، يسافر بي خيالي دائما إلى لحظة الوداع هذه. أمقت كثيرا ذلك الهدوء الذي رافق كلمات “جاكلين” الأخيرة لي، كما ألعن تلك العاصفة التي هدمت كل بناية تواصل قد يخلق بعد هذا الوداع. فبجرأة الكارثة، أجبتها:
كنت أعلم أن هذه اللحظة آتية لا محال، فقد أعددت لها كما تعد الدقائق للساعات، كما ترقص الساعات مشكلة الأيام، تماما. إني معك، كنت على دراية تامة بأن أجل الحب محسوم، كالموت.
دون أن تكترث لكلامي، أو بالأحرى بعد ردي العاصفة الذي بعثر كل الأحاسيس، أبدت ” جاكلين” ابتسامة أكثر حرقة من أغسطس نفسه، وهمست بصوت حفيف تشدو شعرا:
كعُشاق في اللقاء الأول
نشدوا ألحانَ النظرات
نزفُ طعم القبلات
نهدم مستقبلا مثمرا !..
في العليين.
لم أنبس بشفة، دمعة واحدة جارفة على خدي الأيمن، كانت كفيلة بالإعلان عن نهاية حب في شهر حارق، وبداية نكسة مريرة…
عشر سنوات مرت، لا أعلم لماذا عُرض علي شريط ذكراي الدامية في هذه اللحظة بالذات، مذ أن رزقت بطفلي ” أنيس” لم تراودني مرارة هذا الحب الحالم. لم أتذوق طعم المرارة تلك. إنه أمر لا يصدق، يجب أن أتخلص كليا من بقايا هذا الحب…
آه.. إنه هاتفي هناك يرن. تالله إني لألعن هذه التكنولوجية التي ضيقت الخناق حتى على خلواتنا. دون أن أهتم لاسم المتصل، أضغط على زر الإجابة. يتردد صوت ممزوج بنحيب لم أميز منه سوى جملة واحدة: “بدر”.. الجدة “كنزة” فارقت الحياة…
في الطريق إلى منزل الجدة، أتفحص برنامج مواعدي لهذا الأسبوع، أجده كله مخصص لبداية عطلة الصيف.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«تعب» نص لـ «أمينة حسن»

بقلم: أمينة حسن           أحيانا أشعر بالأرهاق التام، أستمر في الأداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend