الرئيسية / إبداع / «قصتنا التاريخية» قصة لـ «أحمد سعيد نيجور»

«قصتنا التاريخية» قصة لـ «أحمد سعيد نيجور»

قصة: أحمد سعيد نيجور

في الثانوية العامة عادة كنت أصفف شعري على جنبٍ، أرى العالم من زاوية مختلفة بسبب انحراف رأسي قليلًا. بدأت موهبتي في القصة؛ فأقف على الفصل أُغيّر في أحداث القصص التي أعرفها، وُلِدَتْ من جديدٍ على يديّ.. تخلصت من سذاجة الأبطال، وكنت واقعيًا في حكمي على الأشرار.
أتذكر مُدَرِّسة التاريخ الجديدة، قريبة السن، ذات الجمال المؤثر، والصوت الذي جعلني أسترسل أكثر في الحكايات، على يديها صارت لي قصصي الخاصة، ومعها كانت قصتي الوحيدة.
تحكي لي عن حضارة بابل، فأكتب باللغة الأكادية، أشارك في بناء المدينة مع حمورابي، وأشهد موتها حينما اجتاحها قورش الفارسي.
وبين ذلك أتجول أنا وهي بين مبانيها وطوبها الأحمر، ونقف سويًا أمام أُسُود وثيران بوابة عشتار الخرافية. فستانها الأزرق القصير بلون المرمر، وشالها الملون الذي يشبه القرميد المتساقط من البوابة.
أخبرتها بحبي بعد الحكاية الأولى، تعلثمتْ ساعتها، ولم تدرِ ما تقول، لكن في نهاية الحصة، اِقتربت مني وهمست: وأنا أيضًا أحبك.
جاءت بفستانٍ أرجواني، وبدأت تحكي عن حضارة الفينقيين، لم أنتبه لما تقول، لكنني اِنتبهت لتغيّر تسريحة شعرها، بعد أن كانت تربطه ذيل حصان، صار حرًا. حينها أدركت أن عليّ أن أغير تسريحتي أنا الآخر، رفعت شعري في الحصة الثانية وانتظرتُ تعليقها، اِبتسمتْ وقالت لي: صرت أنضج.
نصطاد أنا وهي على شواطيء مدينة “صيدا” أنشأنا قاربنا الخاص، وبدأنا التجديف، قبلتها لأول مرة حينما صنعنا شراعًا قرمزي يشبه لحظة الغروب، قلت لها: علينا الآن أن ننشأ حضارتنا. لغتنا كنعانية، وتجارتنا تصل لكل العالم. ربما علينا الآن أن نبني مدينة جبيل لتكون راحة لنا في رحلتنا، كوخ صغير يكفينا، وقبلات متواصلة تكمل البناء.
تمشينا في أول خروجاتنا من جامعة القاهرة، مرورًا بالدقي، وأخبرتني عند كوبري قصر النيل بأن عينيَّ جميلتان. آنَسَنا الصمت في ميدان التحرير، فجلسنا ملتصقين، متشابكي الأيدي. قالت والدموع تغرق وجهها: علاقتنا تستحيل؛ ستدخل الجامعة ونفترق.
جاءتْ بفستانها الكتان الأبيض، تحكي عن الحضارة الفرعونية. عادتْ لربطة شعرها القديمة، وعدتُ لتصفيفة شعري الجانبية مرة أخرى. تنازعت مملكة الشمال ومملكة الجنوب، ووَحَّدَهما مينا. كيف لنا نحن المتحابين ألا نتوحّد؟!
ممفيس البدرشين وحضارتنا الأولى. صراعاتٌ بيننا، قربٌ واِبتعاد، وعودة أشد للعلاقة. أسسنا دولتنا الوسطى.. أهديتها قصتي الأولى، وأهدتني تمثالًا لأمنمحات الثالث آخر ملوك الدولة.
ننهار ونبتعد، امتنعنا عن الحديث الخاص حينما اِجتاح الهكسوس البلاد، صارت علاقتنا (مُدَرِّسة وطالب) فقط، كلما حدقتُ بعينيها تبعدهما، وكلما اِبتسمتُ تبكي.
(طيبة) مدينة النصر، والفوز الجديد، علينا أن نعود. أُعلن لها حبي الدائم، وتخبرني بأنها لن تنساني. ومع نصر أحمس تبادلنا القبلات الكثيرة، ومع شرح شكل العجلة الحربية الجديدة، عاد اللقاء والحكايات التي لا تنتهي.
صارت علاقتنا أكثر قوة، وصارت فساتينها مليئة بالألوان، أهديتها ثاني قصة مع بوكيه الورد، وأهدتني ميدالية نصف قلب عليها صورة نفرتيتي واِحتفظتْ بالنصف الآخر الذي عليه صورة توت عنخ آمون. (مهما اِفترقنا، سنعود)
ومع عصر الاِضمحلال تعمدنا عدم الكلام، صارت أعيننا ملبدة بغيوم الحزنِ، وصار المطر حارقًا على عموم البلاد. انهيارٌ أخيرٌ، ودخول الفرس البلاد.
كم سنةٍ مرت والحبل منقطع؟! أنهيت دراستي، وصار التاريخ موهبتي المفضلة، كلما قرأت أتذكرها، وكلما نظرت لنصف القلب يعاد الاضطراب.
الآن أنظر لتلك المرأة الجالسة على منضدة (الكافية) بجواري، تلاعب نصف قلبٍ عليه صورة توت، ياااه مرت السنوات ومازالت كما هي، جميلة، أنيقة، ومازلت ذلك الولد الصغير المقترب من معلمته بخوفٍ وحب. وقفت أمامها ملوحًا بنصف الميدالية، قلت لها مبتسمًا: هل يمكننا أن نكمل القلب؟!

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend