الرئيسية / إبداع / «لن أتذكرك أبدا» قصة لـ «عادل عصمت»
adel

«لن أتذكرك أبدا» قصة لـ «عادل عصمت»

لن أتذكرك أبدا
قصة: عادل عصمت

ماذا يحدث لو كان – هو- من يسير باتجاه محطة القطار، بعد أن أودع جثماني مقابر بلدتنا؟ ينظر شاردا إلى أرض القمح الواسعة، في ذلك الصباح الشتوي الذي يتخلله ضوء الشمس صافيا، محاولا التخلص من الحزن والدهشة من أنه أودع في القبر جثمان صديقه، كما لو أن وجوده كان يكتسب معناه من وجود ذلك الجسد.
الذكريات التي سوف تخطر له واحدة إثر الأخرى، ستنزاح بسرعة خاطفة في حضورها وغيابها. سيتذكر -على سبيل المثال- كيف أن محصول الذرة في تلك الأرض، قطع بالكامل قبل أن ينضج، لكي ترى الأميرة شويكار أبراج قصر سعدون بك عندما يمر القطار الملكي، على تلك المحطة المهجورة، في طريقه إلى المزارع الملكية في البراري. سيتذكر نبرة صوت أبيه وهو يقول مندهشا: “محصول بالكامل..!!”
سيتذكر كيف حمله أبوه ذات يوم على كتفه في محطة طنطا، ليرى وجه عبد الناصر، وهو لم ير غير رؤوس سوداء، وضجيج وزمجرة، أذرع مرفوعة ورؤوس تتحرك، وعندما سأله أبوه: “رأيت الزعيم؟” أومأ برأسه، رغم أنه لم يكن رآه، وعاش لفترة يتذكر هذا المنظر، ويتذكر رعبه من زمجرة الحشود.
سيحاول متعجلا الوصول إلى المحطة، حتى لا تعود إليه الدهشة والحس بالخلاء، الكامنان في فكرة الموت. سيقف قليلا عندما يصل إلى القنطرة الحجرية، ثم يعبر ترعة صرف داكنة الماء تظهر فيها ظلال شجر السنط، وسوف يلمع الصمت خاليا من أي صوت. سوف تعود الدهشة قوية، مرة أخرى، من أنه هو الذي يمشي وصديقه هناك في القبر، فقد كل حس بالحياة، ولا يشاركه التفكير في تلك الصور، وسوف يتذكر حبهما المشترك لعلياء. ستحضر، فجأة، تفاصيل حاول مرارا أن يتذكرها بلا جدوى.
سوف يتذكر وجه “علياء” كأنه يراها الآن، وشعرها يميل على جانب واحد من كتفيها العاريين، وملامحها المندهشة في الصباح، وهي تتعرف بصعوبة على المكان الذي قضت فيه ليلتها. سوف يتذكر كيف انحنت بجذعها إلى الأمام، وراحت ترفع الشراب النايلون حتى أعلى فخذها، وتلفه بإحكام عدة لفات. لم تعد تشعر بالخجل الآن، بعد أن قضت ليلة في شقته، وانتظرت أن يرتدي ملابسه، وقالت يومها بعد أن طلبت منه أن يناولها الحقيبة:
“لن أتذكرك أبدا”.
ستعود إليه تفاصيل عجز عن تذكرها منذ عدة سنوات في مقهي في الإسكندرية.
***
كان عائدا من عمله في ليبيا، في أجازة نصف العام على غير العادة، إثر حنين مفاجئ أن يرى بلدته ويملأ عينيه من البيوت ويشم رائحة، بدت له في الغربة، تحمل سر الحياة. قرر أن يقضي يوما في الإسكندرية، يتمشي في الشوارع، وينام في أحد الفنادق، ثم يتوجه في الصباح إلى قريته. يومها اختار مقهى قريبا من البحر، وخطر له أن كل شيء مجرد خيال، وتساءل إن كان الأمر على هذا النحو، فلم تستمر الأوجاع؟ حضرت صورة “علياء” في تلك اللحظة وهي تميل بجذعها ترفع الشراب الأسمر النايلون وتلفه باستدارة فخذها.
كان المارة على الكورنيش يسرعون والهواء يدفعهم، وبدأ رذاذ المطر، وهو جالس وحده، مؤتنسا بدفء كوب الشاي، يراقب البخار يتموج على فوهة الكوب، يحاول أن يستعيد المشهد بالكامل.
فكر في لون البلوزة. تذكر أنها كانت ترتدي بلوفر سماوي اللون من ملابسه؛ فلم يكن معها أي ملابس. حدث الأمر على نحو مفاجئ ودون ترتيب. كانت تبحث عن عمل في إحدى المجلات في القاهرة، متعبة من طمع كل من يقابلها في جسدها. يومها التقيا في الصباح في مقهي في وسط البلد، وحكت له عن سرها، وأوصته أن يحفظه للأبد، والا يبوح به لصديقه الذي كان على وشك خطبتها.
حكت له أنها أحبت شابا في مدينتها الصغيرة، وفي غمرة اندفاعة الحب الأول لم تعد عذراء. كانت عيونها منداة بالدمع، شفافة، ملامحها رقيقة في ظلال المقهى، تبدو طيبة ومتعبة وتحتاج إلى لمسة من التعاطف والتفهم. كان ينصت إليها بود وتفهم.
في الظهيرة عندما وقف وعلق حقيبته على كتفه سألته:
“إلى أين؟”
قال:
“راجع البلد.”
قالت:
“سوف أجئ معك.”
ارتبك قليلا.
سألته:
“مالك؟”
قال:
“لا شيء.”
وقتها كان يسكن في شقة على أطراف المدينة، وعندما أٌغلق الباب عليهما، بدت مرحة مثل طفلة وجدت جوها.
قالت: “الجو بارد.”
أخرج بلوفر سماوي برقبة، ووقفت طويلا تنظر إلى نفسها في مرآة الحمام، وعادت إلى الغرفة تبتسم. كان البلوفر الأزرق الفاتح فوق قميص النوم الأسود، ضوء يغطى نصفها الأعلى.
لم يتذكر -وهو في المقهى- متى خلعت الجاكت وأين علقت الجيب والبلوز، ولم يتذكر لونهما مهما حاول. في صمت الليل كانت خائفة، وتشبثت به، وبدت كأن بها مس من السحر، كلما لمست جسده تفجر بالشهوة.
لم يستطع أن يعرف وهو يترك المقهى في طريقه إلى الفندق متراجعا عن قرار البقاء في الإسكندرية، ما إذا كان يخترع صورتها وهي تخلع البلوفر الأزرق في الصباح، وتمد يدها إلى الجاكت أم أن ذلك قد حدث فعلا، لكنه يثق في أنه رأى كتفها العاري وصدرها لامعا في الضوء، وهي تخلع قميصها الداخلي الأسود وتلفه في ورقة جرنال وتضعه في الحقيبة. لم يسألها إن كانت ستتحمل برودة الجو في ذلك اليوم، بدون قميص داخلي. كان مضطربا وحائرا.
لم يتمكن -يوم الإسكندرية- من العثور على سياق الحديث الذي أدى إلى تلك الجملة التي دارت حولها حياته:
“لن أتذكرك أبدا.”
لكن رنين الكلمات كان واضحا، وهي تجلس على طرف السرير وتميل لتعثر على الحذاء. كان حائرا، لماذا تشبثت به صورة علياء على هذا النحو، عندما وصل إلى الإسكندرية، وظل يفكر في الأمر وهو يغادر الفندق ويستقل الأتوبيس إلى بلدته.
***
الآن، بعد أن أودع جثمان صديقه. يقف وحيدا أمام مزلقان القطار ينظر إلى خلاء الأرض، سيتذكر ما عجز عن تذكره في الأسكندرية، وتراءى له بسيطا ذلك الذي كان خفيا بشكل عصي.
في انتظار القطار الذي يقله من قريته إلى المدينة، ليسافر إلى مقر عمله في ليبيا، سوف يتذكر ملامحها ولون الجيب والبلوزة، وسوف يخيل إليه أنه قادر على أن يشم رائحتها. وسيتذكر تفاصيل الصباح الشتوي في شقته القديمة، حيث راحت وقائع خيانة صديقه، تلمع بعد شهوات الليل، وجاء إليه سياق الحديث الذي انتهي بالجملة التي طاردته سنوات طويلة.
قالت علياء وهي تجلس على حافة السرير:
“ما حدث الليلة لابد أن يبقى سرا بيننا.”
وقتها كان لايزال مثاليا وغضا، وقابل كلماتها بدهشة.
قالت بوضوح وحسم:
“يجب ألا تخبر صاحبك بما حدث.”
نظر إليها وقال بحماسة ساذجة:
“لا يمكن.”
نظرت إليه بسخرية:
“انت حر.”
ثم مدت يدها وقالت:
“ناولني الشنطة.”
صمتت قليلا ورفعت وجهها، تلم شعرها من فوق كتفها وتقول:
“سأسقطك من حسابي.”
وبعد قليل:
“لن أتذكرك أبدا.”
***
في صمت محطة البلد لن يكون قادرا على الاقتراب من هذا الألم الذي تركه لقاؤنا في البلد، ومحاولته تبرئة نفسه وإلقاء اللوم عليها، واتهامها بأنها منحلة، لكنه سيتذكر ما قلت له بعد صمت:
“هذا تقديرك للأمر؟”
طوح رأسه.
قلت:
“لا أريد أن أراك بعد اليوم.”
لن يكون قادرا على تذكر هذا اللقاء القصير الذي فصلنا خمس عشر سنة، ولا تذكر الارتباك الذي قضى به ذلك العام الحاسم: 1989، لن يكون قادرا على تحمل انكشافه أمام نفسه باعتباره خائنا، وهربا من الخزي، راح يغمس نفسه في الدراسة، يلاحق البنات، وآراء الفلاسفة المتشابهة، والدرجة العلمية، وهناك في تلك المدينة الصحراوية الصغيرة في غرب ليبيا سوف يعيش كأنه قد نسى الجرح، ونسي الخيانة، ونسى صاحبه.
***
هناك، غمر نفسه في مناخ آخر، يعيش وسط أساتذة تعلموا في باريس، يستعملون اللغة الفرنسية في حديثهم كطيور مزهوة، وهو محشور في صمته، وفي ذكريات بلا معنى عن سنوات تعليمه المبكرة في قريته، متذكرا رائحة السباخ التي كانت تنتشر في الفصل، والنوافذ العالية للبيت الذي أقاموه مدرسة ابتدائية بعد الثورة، والدكك الخشبية التي تمزق مساميرها “المرايل”.
سيذكره ذلك بضعف تعليمه، ولن يكون قادرا في البداية على مجاراة الرطانة الأجنبية لزملائه، وسيظل يشعر بالحرج في حضرتهم رغم أنه تربي في مدارس البلد التي كانت تقود “الأمة” في ذلك الوقت، وسوف يسخر في سره من كلمة “وطن”، لكنه بالتدريج سوف يتحرر من حسه بالحرج عندما يكتشف أن تعليمهم في الغرب لم يكن إلا قشرة، وإن لم يكن مغموسا بالألم فلن يثمر شيئا. سوف يتعرف على الأفكار العادية تلبس ثوبا مزركشا، وسوف يمازحهم قائلا: ألا تشبه رغبتنا في التشبه بمن استعمرنا، توق امرأة إلى رجل أشبعها ذات يوم ثم تركها؟
يغضب بعضهم من مزاحه قائلا، إنه تعلم بنفس الطريقة الغربية وإن لم يكن قد سافر إلى الخارج، أما هو فقد ظل يعيش وجعه، يعاني يوميا من الفقد ومن الخيانة. لا يمر يوم دون أن يتذكر “علياء” وهي تقول: “لن أتذكرك أبدا.”
أحيانا يتعب من هذا الإلحاح لصورتها يسأل نفسه: “لماذا أريد أن تتذكرني؟”، “لماذا يريد البشر أن يكونوا حاضرين أثناء غيابهم؟” “أليس هذا أمرا غريبا؟” يستبد بهم طموح غريب أن يكونوا مؤثرين وتاركين بصمتهم على الحياة بعد غيابهم. لماذا يمنحهم هذا قيمة وفرحا، ألا تكمن هنا بذور بؤس وتعاسة؟ وظن أن الكارثة تكمن في هذا النزوع بأن يبقى الإنسان حيا إلى الأبد، خالدا، وفي تلك الأصباح التي كان يحاول فيها التخلص من صوت علياء، اعترف لنفسه أن الحياة تبدأ من مقاومة هذا الميل.
وانطلاقا من تلك الفكرة، سوف يدرّس، في ذلك العام، فصلا دراسيا عن فلسفة نيتشه. يشرح أفكار الفيلسوف الألماني، ثم يعقب: “المفروض هو تخطى هذا النوع من الفلسفة المطلقة في فرديتها، فقد أراد نيشته أن يحول الإنسان إلى إله. حاول أن يقاوم خضوع الإنسان للإله بأن يجعل من نفسه “إنسانا أعلى”، أي إلها. الحياة الحقيقية تبدأ بعد نيتشه، أن يعيش الإنسان ككائن صغير. يعيش وضعه الحقيقي في الكون كشخص زائل، كما يتم تصويره في الرسوم الصينية بأحجام صغيرة محاطا بعظمة الجبال. كان يتحدث بحماس وانطلاق في تلك المحاضرات مثيرا دهشة تلاميذه وزملائه الذين تعملوا في باريس.
في الحقيقة لم يكن ذلك بسبب تعمقه في الفلسفة، بل كان محاولة لمداواة جرح تركته علياء وهي تميل بجذعها وترفع الشراب. كان يحاول أن يترجم ذلك إلى فلسفة. سينجح في تدريس الفلسفة لكن الجرح سيظل حيا، وستضيع هباء محاولاته في تخطى كلمات علياء، التي قالتها على عجل، وبلا هدف تقريبا، غير رغبة يائسة في أن تمنعه من توثيق الخيانة، والبوح لصديقه بما حدث بينهما.
***
يندهش من قدرة تلك الجملة: “لن أتذكرك أبدا” على التجدد والحيوية، وبيأس، يعيد طرح الأسئلة القديمة: ما هو الممتع في أن تتذكره علياء وتشتاق إليه؟ ما الذي سيحدث في روحه لو تركت الرسام الذي أصبحت تعيش معه في ألمانيا بعد أن فسخ صديقه تلك الخطبة السريعة المزيفة، وجاءت إلى طرابلس لتراه وتقضى معه ليلة؟
يبحث بجدية عن السبب الذي جعلها تقول تلك الكلمات الغريبة في ذلك الصباح وقد كانت بالليل تشهق وتقول بصوت هامس: انت رائع، ولماذا لا يعوض غيابها أي امرأة أخرى؟
كل تلك العلاقات والمتع والأبحاث والمحاضرات لم تكن قادرة على أن تعيد رتق روحه التي شقتها “علياء” ذات صباح. أقام عشرات العلاقات وراح يسأل بلاجدوى: لماذا يريد الإنسان أن يكون موجودا أثناء غيابه؟ عليه أن يتوافق، بشكل ما، مع كونه “لا شيء”.
***
سيكون قد تعب من تلك الأسئلة وهو يدخل الأربعين من عمره، مع بزوع قرن جديد، وسوف يجد بعض السلوى في علاقة عاصفة، مع أستاذة من بلاد الشام، حطت فجأة على تلك المدينة الصحراوية، وجاءت لتدرّس في نفس القسم.
كان قد وهن من الغربة والآلام، ومن أول يوم أدرك أنه لن يكون قادرا على مجارات شهوات امرأة تربت في الجبال، لكن الأدوية الحديثة قدمت له الحل في أقراص زرقاء فعالة من أجل قوة الانتصاب، ستساعده في مجاراة شهوات المرأة الجبلية وقوة وصولها إلى قمة الرغبة كأنها في طقس بدائي.
في الصباح عندما تتلاشى شهقات الليل، لا يبقى غير حس بثراء أبيض كالحرير، يجلس في الشرفة معرضا وجهه -مغمض العينين- لنسيم الصحراء، ومع طعم القهوة، يرى أنه لم يتبق من الليل غير وجع في الجسم، وأن الشهوات لم يعد لها وجود. وراح يعاني من لون آخر من الألم: معاينة زوال اللحظات.
صباح أيام الأجازات ينزل في الفجر من بيت زميلته، يشعر بأنه يكاد يرى الزمن وهو يمر، هذا الزوال المؤلم للمتع لا يمكن تحمله، فيحاول بكل طريقه، البقاء في حالة الشبق، وساعدته الأقراص الزرقاء على ذلك. كانت بالنسبة له معجزة، لكن نصف القرص لم يعد مؤثرا، وأصبح يتناول قرصا كاملا، ثم قرصين، ممتنا لهذا الأقراص التي أعادت إليه الشباب.
***

بعد أن تخطى الأربعين ببضعة شهور سيصاب بأول أزمة قلبية، لكنه لن يعبأ. كان يجرب النسيان في أحضان زميلته، وخيل إليه أن الجرح يندمل، وذات ليلة في بيته، في تلك المدينة البعيدة، سيكون راقدا على السرير يشاهد فليم “محامي الشيطان”، وقد تأثر بمشهد انتحار الزوجة وهي تشق رقبتها بقطعة من زجاج مرآة. مشهد العنف في الفيلم لا يحتمل، وشعر برغبة في أن يكتب قصة قصيرة، (عادت إليه فجأة تلك الرغبة التي تخيل أنها ماتت) عن زينب بنت عمته التي ألقت نفسها في النيل. كان يريد أن يقارن هذا العنف الفج الذي يضرب بجذره في فلسفة نيتشه، بذلك الحس المقدس التى أدارت به زينب بنت عمته أحداث موتها.
الكلمات تظهر في مخيلته واضحة يصف بها السماء البلورية الزرقاء في الصباح، وطريق ضيق بين الغيطان، أرضه مبلطة من أثر المطر، ويرى الرغبة الدفينة السرية التي قادت زينب: رغبة التطهر. ظهر له نوع الروح التي تسرى في جسد زينب. يمكن لبنات أخريات أن يقبلن ما حدث، ويبحثن عن طرق أخرى للتعامل مع الخطيئة؛ بالهرب أوالزواج أوالترقيع وغيره، لكن زينب أصرت أن تعيد نفسها إلى نقطة البداية. جربت شيئا لم تحبه، وأرادت أن ترجع إلى حالة البراءة التي دنستها بفعلتها. لم يكن أمامها غير النيل الذي يمحو عن بناته ملامحهن الدنيوية، ويمنحهن جمالا مطلقا، يظهرن به على ضفاف الترع، في ضهيرات الصيف، يمشطن شعورهن، ويشكلن أغواء لا يتحمله بني البشر.
الكلمات واضحة في ذهنه، لكنه شعر بألم في صدره. حاول مرة أخرى القيام من الفراش ليصل إلى القلم والورق على المنضدة بجوار التليفزيون، لكن “الملاك” كان شاهدا على تلك الأفكار، جاء وجلس على حافة فراشه. هو نفس الملاك الذي كان يلمحه في دار عمته قبل موت زينت. حاول أن يمد يده باتجاه الورقة والقلم، لكن الملاك سيقول له بود: “لن تستطيع أن تصل، أعرف ما تود كتابته، أعرف التفاصيل كلمة كلمة، كنت برقتك طول الوقت، الآن فات أوان الورقة والقلم”. ونظر في عينيه نظرة طويلة لم يجد نفسه بعدها.
***
سوف يرحل جسده عبر الصحراء، وسوف يلقي ضباط الحدود نظرة على وجهه، الذي تغيرت ملامحه بسرعة، ويفحصون الأوراق والتقارير الطبية بدقة، وسوف يُحمل إلى قريته، وستقف أمه تنظر إلى جثمانه غير مصدقة أنه لم يعد موجودا.
في ذلك الصباح الشتوي ستكون سماء البلد لها نفس لون البلور الأزرق الذي تخيله، وسيتردد في فضائها صوت ميكرفونات الجوامع تنعى موت الدكتور “ياسر حجازي” الأستاذ في جامعات ليبيا. لو عاين هذا الجلال الذي منحه له الموت، لابتسم نصف ابتسامة وقال: ماذا نفعل؟ أهلك، هكذا من آلاف السنين، يقدسون الموتي، كل الموتى في نظرهم “أوزير الطيب”.
***
الآن يرقد مرتاحا، ويترك لي الغرابة التي لم تفارقني وأنا أجلس على الدكة الخشبية منتظرا القطار، من الغرابة غير القابلة للتحمل من أنه كان يمكن أن يكون هو من يركب قطارا يمشي بتثاقل بين القرى ويتكرني.
كان يمكن بعقله الأسطوري أن يحول المشهد إلى شيء آخرـ كان يمكن أن يرى في ضوء الشمس ميلادا جديدا وفي الصمت همهمة آماد بعيدة، كان يمكنه وهو ينزل من محطة القطار ويدخل محطة أتوبيسات المدينة أن يقف قليلا مستسلما لذكرياته عن تلك المدينة التي تعلمنا فيها، أن يفكر أننا صنعناها بأوهامنا وخيالنا، ويندهش، بعد أن يضع حقيبة فوق شبكة السيارة البيجو التي ستقله إلى الأسكندرية ومنها إلى صحراء ليبيا، أن جسده هو الذي يعيش وجسد صديقه هو الذي دخل ظلمات القبر، لكنه كالعادة، لن يجد فرقا كبيرا بين من يرقد تحت التراب ومن يمشي فوقه.
***

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend