الرئيسية / إبداع / «آخر دقيقة» قصة لـ «أسامة القللي»

«آخر دقيقة» قصة لـ «أسامة القللي»

قصة: أسامة القللي

 

وقف هناك قرابة الساعتين وعيناه لم تبارح العداد الزمني أعلى يسار الشاشة يتابع في ترقب مرور الوقت ويمني نفسه بسماع صافرة مدوية يطلقها حكم المباراة معلنا نهاية المباراة.
لم يشعر بأي إجهاد أو ألم رغم موجات القلق والاضطراب التي كانت تعتصر قلبه كلما أضاع المنافسون هدفاً محققاً.
لم يكن شاكر من هواة متابعة كبار كرة القدم ولم يلعبها صغيراً، لم يكن يمتلك من الرفاهية التي تضمن وقت فراغ كافٍ لذلك فهو غالبا برفقة أبيه يساعده في عمله.
أو ينكفئ على دروسه وواجباته ينهيها فيما تبقى له من وقت يسير.
شاكر الآن شاب عشريني أنهى دراسته الجامعية بتفوق لم يجنِ من ورائه أي طائل، فهو ما زال يساعد أبيه في تلبية طلبات سكان العمارة التي يعملون بها ويسكنون أسفل حجراتها.
يقضي شاكر يومه الذي يبدأ مبكراً في أعمال متنوعة فهو تارة في السوبر ماركت يشتري سلع، أو لدى الجزار يتسلم بضعة جرامات من اللحم، أو يساعد إحداهن في إعادة ترتيب قطع الأثاث ف الليفنج أو غير ذلك مما ينتهي بكلمات شكر حارة وربما مبلغ مالي جيد.
كان الجميع يشهد لشاكر بالأمانة وحسن الخلق وكثيراً ما يقولون لوالده أن ربنا عوضه خيرا بهذا الابن البار، أما شاكر نفسه فقد كان لا يرى في نفسه أية ميزة تؤهله لأن يكون محل فخر لوالده، كيف ولم يستطع إلى الآن أن يحقق أمنية والده في شغل وظيفة يرفع بيها راسه وسط الخلق وتريحه من شقاء أثقل ظهره لسنوات.
وهكذا مضت حياة شاكر دون تغير، أيام تمضي كسابقتها ويبدو أن لاحقتها لن تحمل أي جديد.
وفي يوم وبينما كان شاكر في شقة سيادة المستشار بالدور السابع يساعد الشغالة في تنظيف الشقة استعداداً لقدوم عيد الفطر، وبينما كان شاكر منهمكاً في مسح أرضية الشقة، إذ بالست هانم زوجة سيادة المستشار تطالبه بسرعة إنهاء عمله لأن سيادته على وشك الوصول، وهو لا يحب أن يكون المنزل في هذا المشهد العبثي الفوضوي، وأنها لا تريد أن تثير ثائرته في ليلة العيد.
وبينما كان شاكر يسابق الزمن لإنهاء ما يقوم به، سمع مفتاحا يخترق كالون باب الشقة فينفتح وخلفه سيادة المستشار برفقه سائقه حاملاً حقائب وعلباً وأكياس سارعت الشغالة لتلقيها منه، ارتبك شاكر للحظات لم تطل إذ استحسن سيادة المستشار ما يقوم به ووعده بعيدية لا يحلم بها لا هو ولا ابوه.
ذاق شاكر طعم السعادة لبرهة وظل يخمن المبلغ الذي سينعم عليه به سيادة المستشار، تُرى كم سيكون مائتا جنيه مثلاً أم خمسمائة، ماذا لو ألف جنيه، وظل شاكر يعد قائمة طويلة من الاحتياجات التي ربما يستطيع شرائها له ولأسرته إن اغتنم تلك الغنيمة المجهولة، وكلما ظن أنه وصل لنهايتها تذكر حاجات أخرى تبدو ملحة ومهمة.
والآن وقد أنهى شاكر عمله وهم بالانصراف أعطته الهانم ورقة تضمنت قائمة طلبات، أمرته أن يأتيها بها قبل مباراة الغد، ثم سألت سيادة المستشار ما إن كان في حاجة لشاكر، فترقب شاكر رده متلهفا، فجاء الرد محبطاً عندما قيل له ألا يتأخر في إحضار الطلبات غدا.
انصرف شاكر وقد شعر بإحباط وغصة، وقد تبددت أحلامه في تدبير مبلغ مالي يضمن قدرا من السرور في ليلة العيد.
ولما اجتمع التعب والحزن عليه استعان عليهما بنوم ثقيل غلبهم ثلاثتهم؛ هو وحزنه وتعبه.
استيقظ شاكر باكرا، اختار من ثيابه القليلة أكثرها نظافة وهنداما، ذهب فصلى العيد، عاد تناول فطوره مع أسرته، ثم هم بقضاء احتياجات السكان، واستيفاء قائمة طلبات الهانم زوجة سيادة المستشار.
وصل شاكر متأخراً بعض الشيء، يبدو أن المباراة قد بدأت للتو، علم بذلك عندما دخل الشقة بناء على طلب سيادة المستشار، الذي وعده مجددا بالعيدية المنتظرة ما إن حقق المنتخب انتصاراّ في المباراة.
وقف شاكر إلى جوار المقعد الوثير حيث جلس المستشار وقد ركز نظره على الشاشة التليفزيونية العملاقة التي احتلت الجزء الأكبر من حائط الليفنج، دون منازعة سوى من بعض تابلوهات وصور لمختلف أفراد الأسرة.
وقف شاكر طيلة زمن المباراة باستراحتها، يترقب ويتعجل انتهائها، لم يكن يتوقع أن ينال فرصة لمشاهدتها، فهي تذاع حصرياً عبر قنوات يلزم لمشاهدتها أما الدفع لوكلائها أو شرب شاي بأضعاف ثمنه بأحد المقاهي التي تحوز أجهزة تتلقى بثها.
كان شاكر قد قرر أن يتعرف على نتيجة المباراة دون مشاهدتها التي تتطلب مالا لا يملكه، ووقتا لا يريد التفريط فيه، فربما احتاجه أحد ما في قضاء حاجة تعود عليه ببضعة جنيهات ترتق رمق حاجته.
والآن فقد حظي شاكر بفرصة بدت كمقامرة ليست خاسرة، فقد ضمن على الأقل مشاهدة المباراة، وربما اقتنص مبلغا ماليا إن تحقق الفوز، الذي سيفرح به دون شك.
كان الوقت يمر ثقيلاً، وفرص الفريق المنافس تضيع بمعجزة فرصة تلو الأخرى، وبدت الهزيمة مفزعة في لحظات كثيرة، وطلت خسارة العيدية موحشة قبيحة، ومع ذلك ظل شاكر متربصاً بالأمل، متحمسا للإفلات من الهزيمة كلما مر الوقت، حتى كانت الدقيقة الأخيرة حينما علت الكرة أمام المرة بثمانية أمتار ووثب أحد لاعبي الفريق المنافس ليقذفها برأسه لتستقر داخل المرمى، محرزاً هدفاً كان كفيلاً بأن يقلب مزاج المستشار ويحرم شاكر من مكافأته الموعودة
أمضى شاكر يوماً حزيناً، فقرر النوم مبكراً، فقد كان تعباً مرهقاً مثقلاً بهموم يندر أن تفارقه، في صباح اليوم التالي أيقظته والدته وقد غالبت دموعها، انتفض شاكر من نومه سائلا أمه عن سبب بكائها، أخبرته أن صاحب العمارة لم يوافق على طلب والده بزيادة شهريته، بل أنه أخبره بمضاعفة أجرة سكنهم اعتباراً من بداية الشهر المقبل.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

«قصتنا التاريخية» قصة لـ «أحمد سعيد نيجور»

قصة: أحمد سعيد نيجور في الثانوية العامة عادة كنت أصفف شعري على جنبٍ، أرى العالم …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend