التخطي إلى شريط الأدوات
سينماشباك

شيخ جاكسون.. قليل من العمق والمنطق، كثير من القفزات

عادةً ما يكون أصعب ما تواجهه أثناء الكتابة هو “من أين تبدأ”، لذلك فسوف أبدأ أنا من “البداية”.. لا أعلم في حقيقة الأمر سبب تحريف الكثير لاسم الفيلم وتسميته بـ “الشيخ جاكسون” بدلًا من “شيخ جاكسون“، ففي رأيي سبب التنكير واضح؛ ألا وهو أن مخرج الفيلم –عمرو سلامة– لم يقصد شيخ بعينه فيقوم بتعريفه بحرفي “الـ” بل قصد التعميم، فربما يكون أيًا منا مكان هذا “الشيخ”، فنحن لسنا على يقين تام بأننا فعلًا أنفسنا وأنه لا يوجد هناك “جاكسون” بداخل كلٌ منا سيظهر في الوقت المناسب ودون سابق إنذار، تمامًا كما ظهر تحول “جاكسون” إلى شيخ أيضًا دون سابق إنذار! قد يظهر بداخلك “آخر” أو “شبح لآخر” في أي وقت؛ فكُن على أهُبة الاستعداد لذلك.

وأعتقد أيضًا أن –عمرو سلامة– لم يتناول الفيلم من منظور ديني، كما كَوَّنت من أفق توقعاتي قبل رؤيتي للفيلم، وسرعان ما كسر الفيلم أفق توقعاتي عندما داعب ذهني هذا المنظور الساخر الذي تم تناول الفيلم من خلاله، فاختيار -عمرو سلامة- لقب شيخ قبل اسم “جاكسون” بالطبع أثار فضول الكثيرين وأنا منهم، كما أن تعمد تنكير كلمة شيخ كما لو كان يوجه رسالة صريحة لكلٌ منا بأننا قد لا نعرف أنفسنا جيدًا إلى الآن، فالأشياء ليست كما تبدو وكذلك الأشخاص. كما أن اختيار أحمد الفيشاوي دون غيره للقيام ببطولة هذا الفيلم تحديدًا، لم يكن وليد الصدفة خاصةً بعد تصريحات الفيشاوي التي أثارت كثير من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصل إليَّ مُحاطًا بتشوش كبير، وأشاهد الفيلم وأنا شبه موقنة أنّي سأشاهد فيلم -فوق التقييم- بالنسبة لي، إلا إنه خالف الكثير من توقعاتي.

دائمًا ما لديَّ اعتقاد بأن عمرو سلامة لا يقدم أفلامًا، بل قطعًا من روحه، كما إنه يشارك في التأليف، وأيضًا يرسم الشخصيات، ثم يحول أحلامه إلى واقع على الشاشة. كما أن اختيار سلامة للفيشاوي قد يُعد إيمانًا منه بمنطق الفيشاوي ودعمًا له ووقوفًا في صفه، وسخريةٍ من انتقاد “الآخر” له. وعلى الرغم من كل هذا، إلا أن أداء الفيشاوي كان باهتًا، فدومًا وأنا أُشاهده أشعر أنّه لا يبذل مجهودًا في إتقان الدور، يقرأ الورق، ويقدم ما قرأه، لا يسعى للإتقان، لا يسعى لكسر سقف التوقعات، لا مبالاة شديدة في التعامل مع مَشاهِده، لا يعني هذا أن دوره كان سيئًا، لكن مقارنةً بسابقيه فهو ليس جيدًا على الإطلاق.

أما عن الأدوار النسائية في هذا الفيلم فحدث ولا حرج، فهي كانت شبه غائبة، فأداء “أمينة خليل” في دور الزوجة كانت باهتة تمامًا، لا أعلم أي شيء عن مشاعرها وأفكارها وعلاقتها بزوجها، هي مُجرد ديكور تم إضافته لشخصية البطل حتى نعلم أنّه نضج وأصبح زوجًا، و”بسمة” في دور الطبيبة النفسية لم تقدم جديدًا، فقد كانت مشاهدها تقليدية عابرة، وأيضًا الأم “دُرة” كانت شخصية عاطفية سطحية تمامًا، فلا يوجد -في رأيي- في هذا العمل الفني دور أنثوي قوي يوازي الأدوار الذكورية التي وُزعت على “الفيشاوي” و”مالك” و”الكدواني”، وربما كانت الشخصية النسائية الوحيدة شبه المؤثرة في الفيلم هي “شيرين” -التي قدمتها “سلمى أبو ضيف”- زميلة البطل في فترة المراهقة، وأعتقد أنها قدمت هذا الدور كواحد من أفضل أدوارها السابقة. أما “ماجد الكدواني” فهو يعيد نفسه فقد شعرت لوهلة أنني أشاهد “ماجد الكدواني” في فيلم “هيبتا” مما أصابنى بالاحباط بسبب قدرته الرهيبة على إهدار نفسه وموهبته التي نثق جميعًا في وجودها.

أما موسيقى الفيلم التي قام بتنفيذها “هاني عادل“، جاءت باهتة وغائبة أيضًا.. مثلها كمثل مُعظم الشخصيات النسائية، فلم يستطع استغلال -فكرة ارتباط الفيلم بأيقونة موسيقية عظيمة مثل “مايكل جاكسون”- في صالح الدراما، وأضعف الإيمان أنه كان يمكنه استخدام مقطوعات أصلية من موسيقى جاكسون نفسها!

وفيما يخص التصوير والديكور والملابس فجميعها كانت تحمل بصيص من الأمل، فمدير التصوير “أحمد بشاري” ومصممة الديكور “هندي حيدر” ومصممة الملابس “ريم العدل” كان لديهم مهمة شاقة، لأن أحداث الفيلم تدور بين القاهرة والإسكندرية عبر ثلاثة أزمنة؛ نهاية الثمانينيات، ومنتصف التسعينيات، وعام 2009 تحديدًا الذي شهد الخامس والعشرون من شهر يونيو منه، ذلك الحدث الذي هز العالم أجمع –وفاة مايكل جاكسون– بالإضافة إلى بساطة الإمكانات، إلا إنهم استطاعوا بصريًا التعبير عن الحقب الزمنية الثلاثة بحرفية.

أيضًا طوال أحداث الفيلم واجهتني أزمة البحث عن الأسباب والمبررات، فالفيلم افتقر للمنطقية في الأحداث إلى حدٍ كبير مما جعل الكثير من النقلات “القفزات” الدرامية تبدو غير مُبررة، فمثلاً وضع سلسلة “أم جاكسون” الذهبية في الصندوق الذي يظهر في نهاية الفيلم وقد ضم “كراكيب الماضي”، فقط ليوحي للمشاهد بأن جاكسون استعاد حياته “الجميلة” باستعادته للصندوق، حتى وإن تعارض ذلك مع منطق الدراما لاستحالة نسيان أو تفريط البطل في هذه الذكرى المهمة عن والدته. بالإضافة إلى الكثير من “الصٌدف” الدرامية المتكررة غير المُبررة وغير المقنعة، والتي أدت إلى أزمة يفشل البطل في تجاوزها؛ فيلجأ لطبيب نفسي ثم يفاجأ بأنها امرأة فيغضب ويهم بالذهاب ثم يتراجع ويكرر زياراته لها، فتمنحه النصيحة التي تدفعه فورًا للتصالح مع قدره ثم ينتهي الفيلم!

كذلك صدفة اليوم الذي يكتشف فيه خالد “هاني عبد الحي”، أن ابنته مُغرمة بالمغنية “بيونسيه” -تكرار لغرامه السابق بجاكسون- يكون هو نفسه اليوم الذي يموت فيه مايكل جاكسون! كذلك يكتشف، بالصدفة أن الفتاة التي أحبها “سلمى أبوضيف/ياسمين رئيس” مصابة بمرض الربو المتسبب في وفاة أمه “دُرة” وهو الاكتشاف الذي يقوم على إثره بتغيير حياته إلى النقيض والتحول إلى رجل دين مُحافظ. أما الصدفة الأخيرة فوجود عيادة الطبيب النفسي في المبنى نفسه حيث عيادة طبيب العيون الذي قصده لبحث مسألة غياب الدموع عن عينيه. وهي الصدفة التي تقصّر رحلة البحث عن العلاج، لكنها صدفة يمكن التصالح معها إذا قَبلنا بمنطق لجوؤه إلى طبيب عيون بدلاً من عالِم دين.
فشخص يعتنق أفكار هذا الشيخ، كان يجب عليه أول ما يظن أنه ممسوس من الجن وأن علاجه لا بد أن يكون عند “عالم دين” وليس “عالم دنيا” كالطبيب، خصوصًا أن شبح “جاكسون” كان يلازمه كلما ذهب إلى “المسجد” حتى أنه دفعه في إحدى المرات إلى قطع الصلاة والاعتداء على أحد المصلين بالضرب!

من الجائز أن يصنع المؤلف قفزات سردية وأن يترك للمُشاهد بعض الفراغات ليملأها، عبر استنتاجاته حول علاقات عناصر النص بعضها البعض. لكن التناول السطحي لحياة الشخصيات في “شيخ جاكسون” من جهة، والقفزات الطويلة التي صنعتها آلية الفلاش باك من جهة أخرى، أدوا إلى عدم فهم الروابط والعلاقات داخل النص. فالخط الدرامى الخاص بعلاقة دودو/دودة/خالد، بمايكل جاكسون -التي يفترض أنها العلاقة الرئيسية داخل الفيلم- ظلت غامضة وسطحية. فهو يحب “مايكل جاكسون” لشخصه ولا يحبه بسبب ذكرى أمه أو الفتاة التي عشقها في مراهقته، كما أنه يرى نفسه وقد اجتمع بجاكسون في النار كترجمة لأحد الأحاديث “لا يحب رجل قومًا إلا حُشر معهم”. ورغم ذلك لم يكشف خالد ولو لمرة عن أسباب إعجابه بجاكسون إلى حد الجنون والعشق والوله.

كذلك التحول الدرامي في شخصيته، من مجنون بمايكل جاكسون إلى “سلفي”، تصور نمطي لحال مراهق اضطر للعيش مع خاله المتشدد هربًا من أبيه المنفلت. كما أن المُشاهد قد يبذل جهد أكبر من الذي قضاه في مشاهدة الفيلم ليتعرف على ماهية وظيفة بطله الذي يقوم بأعمال متعددة داخل استديو لتسجيل شرائط كاسيت. فبعد الكثير من التفكير و”التخمين”، سنتذكر أن والد البطل كان يهدده ويتوعده إذا لم يستطع الالتحاق بكلية الهندسة. وبالتغاضي عن إهمال “جاكسون” المتكرر لدروسه وتركه لبيت أبيه عقب ظهور نتيجة الامتحان -التي لم يوضحها الفيلم- يمكن الربط بين الهندسة والاستديو، لتكون وظيفته “مهندس صوت” مثلا! لكن كليات الهندسة في جامعات مصر الحكومية كلها تخلو من أي قسم متخصص في هندسة الصوتيات، في حين تحتوي عليه أقسام المعهد العالي للسينما. ومن الطبيعي ألا يَقِبل “سلفي” على الالتحاق بدراسة السينما. إذًا، فالبطل لم يلتحق بالمعهد، والتفسير الأقرب أنه درس الهندسة وتخصص -مثلاً- في الكهرباء؛ أقرب أقسام الكلية إلى دراسة آلات تسجيل الصوت. لكن ما الذي يدفع مهندس دارس للكهرباء أن يعمل في تسجيل الصوت “البعيد من اختصاصه” تحديدًا؟؟

ولم يكتفي عمرو سلامة بالقفز على دراما فيلمه فقط، وإنما تحدى الزمن والمسافة في بعض الأحيان.. ففي مشهد يضطر بطل الفيلم للانتظار أسفل منزل أبيه في الإسكندرية، إلى أن ينتهي الأب من لقاء جنسي مع إحدى السيدات، فيغلبه النوم ويستيقظ على زوج تلك المرأة وهو يجرها خارج البيت. وبدلاً من أن يهب للاطمئنان على والده، فإنه يتصل مُستغيثًا بخاله الذي يسكن بعيدًا في القاهرة، ثم ينتظر حضوره الذي لابد أنه قد يستغرق ساعات، ثم يصعدا سويًا لرؤية الأب. ولماذا هذا كله؟! ليلقن الخال ابن أخته درسًا في الدين، وينصحه بترك بيت أبيه المنفلت والانتقال للعيش معه بالقاهرة.

أما عن بعض الآراء حول الفيلم: فيرى الناقد الفني “طارق الشناوي“، أن ترشح الفيلم للأوسكار لا علاقة له بنجاحه الجماهيري، متوقعًا أن ينال بالفعل إعجاب الكثيرين، وأنه سيمس الجمهور، وأضاف “الشناوي”، أنه رغم جدية القضية التي يتناولها الفيلم إلا أنه يتضمن جانبًا مرحًا أيضًا سيجذب الجمهور، فضلا عن الحالة التي سيخلفها لكونه يتضمن عدة مشاعر من الحزن والفرح ستمس الكثيرون. وأيدته في نفس الرأي، الناقدة الفنية “ماجدة موريس”، أنه لا يوجد رابط بين ترشح الفيلم للأوسكار ونجاحه الجماهيري، مؤكدة أن “عمرو سلامة” قدمه بشكل متميز بالإضافة إلى الأداء الجيد لأحمد الفيشاوي وأحمد مالك، وأضافت “موريس” أن الفيلم جيد وجميل ومن المتوقع أن ينجح جماهيريًا لكونه يضم عناصر سيتفاعل معها الجمهور من خلال القضية التي يتناولها، لأزمة الشاب الذي يحب المطرب العالمي “مايكل جاكسون” لكنه يتعرض للغط من خاله بعد كبر سِنه، ليصبح شيخًا مُتدينًا، فيتحول رغم إرادته، موضحة أن ذلك الصراع الذي يمر به بطل الفيلم يتعرض له الكثيرون.

في النهاية كون أن يقوم الفيلم –شيخ جاكسون– بإثارة التساؤلات في ذهن الكثيرين، فهذا يعني أنه يستحق المشاهدة.

الوسوم
اظهر المزيد

شيماء الشاذلي

صحفية، خريجة كلية الآداب قسم دراما ونقد، عملت كمحررة بجريدة مسرحنا، ومجلة الفنون، وعملت كمساعد مُخرج في العرض المسرحي "أغبية على الممر"، كما قامت بإخراج العرض المسرحي "مونودراما الخنزير" ضمن فعاليات مهرجان إبداع.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق